محمد الأحمد

محمد الأحمد
كاتب عراقي

Search This Blog

Sunday, February 5, 2012



ابراهيم زيدان في (لا شذى إلا شذاك)
قراءه:
محمد الأحمد
يناورُ
الشعر ما بين العتبات فتارة يلعبُ بالمفردة- المرأة- ككينونة هائلة الوقع متغزلاً
بها جمالاً، صوتاً، وأداءاً، فتكون في موضع من الوطن- الحضن، ويكون الوطن كونّاً
يمتد من الافق الى الأفق فالشعر ينتج صورا متلاحقة، متتابعة تنبثق الواحدة من
الاخرى لتحقق معنى يقارب رسم مجرة تحوي شموساً وكواكب تديرها منظومة تجاذبية
الاخرى تؤثر على الاخرى كما في موازين الشمس التي تعطي ارضنا كل توازنها.. فالشعر
(من اليونانية poiesis) هو شكل وفن أدبي يستخدم الجمالية والصفات بين بقية الفنون
البصرية، والحسية. كما جاء في مقصد ابن خلدون حول الشعر: (هو كلام مفصل قطعاً
قطعاً متساوية في الوزن، متحدة في الحرف الأخير من كل قطعة، وتسمى كل قطعة من هذه
القطعات عندهم بيتاً، ويسمى الحرف الأخير الذي تتفق فيه رَوِيّا وقافية، ويسمى
جملة الكلام إلى آخره قصيدة وكلمة، وينفرد كل بيت منه بإفادته في تراكيبه، حتى
كأنه كلام وحده، مستقل عما قبله وما بعده، وإذا أفرد كان تاماً في بابه في مدح أو
نسيب أو رثاء). فالشاعر ادرك وحدة الهم الذي ينشد الخلاص منه، فأكد بأدوات ذكية
التورية، والتسلسلية الحريصة في وصول شفرته الى المتلقي، ولأجل ان يبقيه متواصلا
مع القصيدة التي يكتبها، لان الشاعر اصبح يدرك بأنها فرصة واحدة هي تلك التي يحظى بها
من قارئه، وهو شديد الحرص عليها، في عالم ازدحمت فيه رسائل الاثير المثيرة من
فضائيات وصفحات ويب، وخاصة صارت تحوطه من كل جانب في يُسرّ، فالشاعر مدرك لهذه الألوان
والمغريات التي تريد ان تأخذ منه قارئه، فصار يعرف ما له وما عليه، وان يجعل قارئه
يتمسك بما يرسل اليه، فتوسعت الادوات لدى الشاعر وصارت المعاني مبنية داخل قصائد
تعادل سردا متواصل الصورة، وتتبادل فيه الاماكن فالإحساس بالمقاصد، (وطن/ امراة/
كون)، (امراة/ وطن/ كون) فيرسل رسائله البديعة ضمن ما يستنتج القارئ.. (أيتها
القناديلُ التي أشعلتني من رمادي. آه... يا بلادي التي أخرجتني من رقادي، وأضاءت سماءَ
روحي أيها الشذى صرت بلسماً لجروحي أفيض لهفةً إليك) فالعقل حينما يتعامل مع
الصورة، فانه سيقوم بالبحث عن معنى ثابت لها بنوع من التفكير الإحصائي ذلك المعنى
الثابت الذي يخفق في التواصل مع حياة الصورة المتجددة دوما. (فأشتهيك ِ كل َ حين..
أيتها التفاحةُ التي طردت آدم من الملكوت. تمدينَ لي ثديكِ بخفوتْ، كي لا أموتْ). متواصلا
مع طروحات (باشلار) خاصة في كتابه المهم (شذرات عن شاعرية النار)، قائلا: (لقد
قضيت حياتي اعمل على جانبين، احداهما يندرج تحت علامة التصور، والآخر يندرج تحت
علامة الصورة)، وفي مكان اخر يقول ان الصور لا تصنف باعتبارهما تصورات، فهي لا
تحصر نفسها في دلالتها المعبرة –انما- على العكس من ذلك- انها تقصد تتجاوز دلالتها المعبرة دوماً. (multifonctionnelle) عنئذ فالخيال متعدد الوظائف)، فالشاعر
(ابراهيم زيدان) يوازن في قصيدته الاخيرة بين النداء والفكرة الحسيّة التي يبني
هكيلية معانيه عليها، بوصل (فخذيني أيتها
العيونُ التي لم تسع أحلامنا وارسمي لوحة ًمن دمي لعلني أرتمي بأحضانكِ مرةً، فأنتمي
للندى والحنين).. فالشعر قد ضبط معطياته بادراك الشاعر نفسه نشأة صوره المتتابعة
في حاضنة لسانية فلسفية حافلة المعنى، وفق منظموته السردية البليغة:- (أمضي باحثاً عن فضاء ٍ أثير. فأرى عنقودينِ يتدليان
ِ بحلمتينِ من عسلٍ.. امتص ُ رحيقهما فأولد ُ ثانيةً، وأنهض من الخراب).. استكمل
الوحدة الموضوعية في دعوة الى التفكير في الاشياء بدل التفكير في الجواهر
والمطلقات والكليات.. متوافقاً مع تصور التوحيدي للجمال (على اساس النظر الى الله
باعتباره وجودا مطلقا يجسد المثل الاعلى للجمال، وليست الكائنات الاخرى سوى مرايا
غير مكملة لهذا الجمال، تستلهم بهاءها وجمالها منه)، فالشاعر جعل الجمال افقا
رمزيا واجتماعيا وحضاريا هاما يتيح تأمل الذات والمجتمع، فأخذتنا القصيدة الشفافة
حيث الانسان وهمه المطلق، مستترة بقناع فني يشار اليه بالجمال والإبداع في انتاج
دالة عراقية استمدت شحنتها من شفافية مالها الى مسارات ثلاثة (اولها الفهم وقد يقع
مباشرة في غير حاجة الى الثاني وهو التفسير او الثالث حيث التاويل على ان تظل
النصوص المباشرة هي الاكثر ملائمة في منطق للغة للشرح او التفسير الى يقع اللفظ
على الخروج من المعنى الحقيقي الى المعنى المجازي، وتنحرف اللغة عن مسارها الطبيعي
في بحثها عن الجمالي والمطلق والمجرد، فتقوم قيامة القراءة وتدخل عوالمها الرحبة
من الدلالات التي يصعب معها التوقف مع واحدة دون اخرى[1]). لقد اجاد (ابراهيم زيدان)
المناورة في قصيدة (لا شذى إلا شذاك) مثبتاً بحرص بأنه المتجدّد المتصل في الحاضر.



[1] حسن حنفي – قراءة النص (مجلة ابداع المصرية)


(الحلم بوزيرة)...
وهيمنة التجاوز والتجديد
عند محمد الأحمد
مغامرة القاص غير
محفوفة بالمخاطر

انور عبد العزيز
كلما قرأت قصّة جديدة للقاص محمد الأحمد - ومنذ
سنوات - ازددت يقيناً أن هذا الكاتب يسعي ابداً للتغيير والتجديد والتحديث والتجاوز
لما هو مألوف لغة وثيمات وباسلوبيات تختلف بين قصة وقصة، وان كان يجمعها شيء أو محور
يحرص عليه القاصّ، فهو هذه التنقلات والأطر الجديدة التي بدت لازمة في اسلوبيات الكاتب،
فمن الصعب تجنيس منتجه الابداعي وحصره والاقرار بان ما كتبه هو (قصة قصيرة) أو (قصيرة
جداً) أو (نصّ) أو (خاطرة)، ويبدو حرص القاص كبيراً في محو أثر كل تجنيس وبالانفلات
من قيود مقررات النقّاد وحتي من الذائقة الأدبية العامة، ويبدو حرصه كبيراً في أن يحرّر
نتاجه من التشابه بين قصّة وقصّة وحتي في مجموعاته ككل، ويبدو أنه ليس من الكتّاب الذين
يحرصون علي أن يُعرَفوا بأسلوبية خاصّة بهم... اسلوبيات واحدة لا تتكرر... ومع هذا
يمكن القول ان الحكم علي نتاجاته نقدياً يمنحه صفة وملامح اسلوبية جوهرها هو هذا الشوق
الملحّ للتجريب الذي يصل به في هذه القصّة أو تلك لمراحل متباعدة جداً عن أقلّ المألوف
ليس في الواقع الحياتي فقط، بل وحتي في مغامرة الكتابة الادبية... كل هذا الكلام لا
يمكن أن يكون تخميناً وتجريداً لحالة الكاتب وهو يغامر برغبات وخطوات - محسوبة عنده
وربما ضبابية عند بعض القرّاء - خطوات وتقنية وسرديات اقتنع هو بها أولاً فصارت عنده
بما يشبه أن تكون عقيدة راسخة وهو يتلمس بها الحالات الانسانية لبلده في كل شؤون الحياة،
مع انه لا يسهو ابداً عن الشأن الشخصي اذ هو يراه - رغم كل الفروق - شأناً ملتحماً
بالهمّ العام بل هو افراز ونتيجة حتمية لمعاناة بلده في احزانه المرّة ومع اقسي حالات
التيه والوجع وشحوب كل المظاهر الكالحة التي كان يحلم أن يجدها بها مضيئة بهيّة مشرقة
في حياة الناس، وله ايضاً، فهو واحد من هؤلاء الناس لا يتميّز عن العديد منهم الا بعقل
نيّر وعينين واعيتين وضمير يشرّف انسانيته.. كانسان وقاصّ شاهد علي عصره وما جري لكل
ناس وطنه وله من محن ومآسٍ ومواجع أليمة...
لسنين وعقود أخذت تتطاول حتي بدت ألا منظور لانفراجها
حتي في زمن قادم لا يبدو انه قريب، فمع هذا الانتظار الخائب المملّ تفاقمت الحالة النفسية
للكاتب كانسان يتحسّس أبداً مسؤوليته تجاه ما يحصل مع عجزه عن فعل شيء ايجابي يوقف
فجيعة هذا التدهور المستمر لحالة بلده التي صارت مضرب مثل أو أمثالاً سيئة وعلكة حلوة
في فم الاعداء ومرّة في أفواه ناس بلده ومحبيه وعاشقيه... هذه الاسلوبية وهذا التجديد
الملحاح المتجاوز الذي يقترب من حدّ التطرّف احياناً...
لا أدري مدي اطمئنان كاتبه لوصوله الي اكبر عدد
من القرّاء والذين هم - وهذه بديهية - هدف كل كتابة... وتظلّ حكاية ماذا نكتب ؟ ولمن
نكتب، متجددة فاعلة مؤثرة، فان كانت قناعة الكاتب ان ما يفعله من وسائل حرث اللغة والبعد
النهائي عن السكون والتقليد واتباع كل غريب - مهما صعب - انه سيبلغ القرّاء ويحقق اهداف
القاص... فان نتاج ذلك الكاتب سيكون فعلاً عامل اثارة واعية وتغيير... اذا تحقق ذلك
فليتواصل الكاتب مع مشروعه - وفي كل محاولة لالوان التحديث - ليتحقق له ما يريد، اما
ان كان بمشروعه قد شطب علي مئات ولا أقول آلاف من القرّاء، عندها تظهر اشارات التشكيك
في غالبية كبيرة من نتاجات سعيه الحداثوي...
يمكن القول أن محمد الأحمد قد فتح أكثر من كوّة
بينه وبين قرائه وبخصوصية توجهه لمن نال الحدّ الاوسط - ولا اقول الادني - لمن هو قارئ
اصيل ومتابع ومتفاعل مع الحياة بكل منغّصاتها او اشراقاتها الضئيلة الخافتة المتباعدة
عبر الزمن...
القاص مبدأي في توجهه وايمانه بالمتحوّل ورفضه
للساكن الثابت الجامد... وهو يمتلك كل الثقة بمستحدثاته موثّقاً موقفه الحياتي والاسلوبي
باعتماد بيت شعري للشاعر الحرّ الرصافي في الصفحة الاولي من مجموعته القصصية : (سأقول
فيها ما اقول ولم أخف.. من ان يقولوا شاعر متطرف) وهو حتي في تثبيت هذا البيت الشعري
العمودي العروضي الخليلي... حتي في هذا البيت الواحد الوحيد الذي استعان به، فقد كتبه
بتشكيلة من عنده هو خروج علي المألوف... محمد الأحمد كتب بيت الرصافي بهذا الشكل:
سأقول فيها ما أقول
ولم أخف
من أن يقولوا
شاعر متطرّف
لماذا ؟! والبيت كما هو موزون وبشطرين... وللتوثيق
والأمانة... كان يجب أن يكتب كما رسمه الرصافي...
وزيادة في ترسيخ رؤيته فقد اتكأ واستعان بقول
لناقد غربي لم يسمّه وفي نفس الصفحة : (نقد الفنّ باعتباره مضموناً أو شكلاً ما هو
الا مسألة اختيار للاصطلاح المناسب لكن بشرط ان ندرك ان المضمون يشكل وان الشكل يملأ
وان الاحساس احساس مُشَكّـل وان الشكل شيء يُحسئيء)... يحسئيء (هكذا وردت مطبوعة)
- أعان الله أكثر من قارئ علي فهم هذا اللغز الذي ان بدا واضحاً للنقاد وللعديد من
القرّاء فانه سيبدو غامضاً عسيراً علي مدركات عديد من القرّاء أيضاً !
وهو ايضاً لتأكيد قناعاته ولايصالها للنقّاد
والقراء ينهي مجموعته القصصية بمقولات تراثية منها واحدة للعتابي اذ يقول: (البلاغة
إظهار ما غمض من الحق، وتصوير الباطل في صورة الحقّ) يعزّزها بمقولة للجاحظ نقلاً عن
أعرابي: (من التوقي ترك الافراط في التوقّي!)...
بعد ان يختصر رأي القدامي من أدباء التراث باثنين
فقط وقد قدّمهما (النص علي العلوم ومنه يجتاف العصر) يقدّم الكاتب القاص طروحاته وتنظيراته
النقدية في ست عشرة فقرة وبعشر صفحات (من ص 115 - 125)...
نجتزئ من هذه الفقرات بعض ما ينير ويضيء للقارئ
ويكشف عن مبدأية القاصّ فيما اختاره لنفسه من آراءٍ ومعانٍ واسلوبيات: (كلما تصوّرنا
أن نواجه الكلمات الاكثر سلطة من الصمت، الاكثر حيوية من النصّ، الا وغرقنا في تفاصيل
موقودة بالمحرّم بالممنوع )، (ما نكتبه الان يصبح بعد حين، بعد جفاف الحبر شيئاً بالياً
رغبتنا في التمزيق اكبر من رغبتنا بأن يبقي، وان يقرأ، وما ان يقرأ بعد حين يصبح ثاوياً
في مجد الذهن يطارنا ككابوس متسلّط متنفّذ علي آلية ما نكون به، ومازوشياً علي حيوية
ما نعرف)، (النصّ في تقلباته ضغوط ومخاوف يخرج للعالم، يكون حراً في أول ولادته، لكنه
يتحول الي ثابت مدلول بعناصر اشاراته، وعميقاًَ بمساحة مدولولاته، فلا يكون عارضاً
علي مبتكره القارئ الاول)... (ذلك اهاب تابوات المغلق برغم اصالة القالب المحوط لتلك
التناقضات التي يغويها القاص علي ما بها من تعارض او توافق )... (النص الحديث يهيمن
علي الوجه، يمنحه لوناً أخضر يدلّ علي حرية الحياة وحركيتها)... (النص المفتوح هو الخلاص،
لكن كيف ستتأقلم الكلمات بين ما نفكر به، وما يحدث علينا من استلاب حتي بلقمة الخبز
الطيّعة)... (فالنص يبقي عصيّاً، ومحاصراً ان لم تكتمل الرؤية، واذا اكتملت الرؤية،
يكون علينا ان لا نجعلها ضمن ما تضيق به العبارة) استيحاء ومحاورة لعبارة النفري بمدلولات
وتعابير عصرية... (دوغمائية الكتابة عطّلت التحدي , وابطلت التجديد والاتصال تواصلاً
بالحضارة... (النص الذي يعطينا هو الذي يستحق كل ما يأخذه منّا)... (الكاتب/النصّ:
هو حدّة الحساسية بحدة العاطفة / حساسية الكشف / التعامل مع الورقة بعاطفة (دون جوان)
المزيّفة... التي يتبعها مع كل امرأة بعاطفة تلائم عاطفتها... يغويها فتظلّ تبحث عن
طريقة اكثر تعقيداً من السابق في اغرائه ، فان نال ادار ظهره عنها)... (النص الحرّ
أقرب الي القلب، والآخر لا يبتعد بمكانه عن سلّة القمامة / مقبرة الاوراق!!)
(الحلم بوزيرة).. من اصدار سلسلة (سرد) لدارة
الشؤون الثقافية / 2010 في سبع وعشرين ومائة صفحة من القطع المتوسط، ضمّت ثلاث عشرة
قصة بين (قصة قصيرة) بمقاطع و (قصص قصيرة جداً) و (نصوص) و (خواطر) قاربت ان تكون حكماًوامثالاً
مرسومة ومكتوبة باراء وافكار وانطباعات وقناعات صاحبها (كاتبها) وبما هو منظور خاص
متجاوزاً للابعد والاكثر دفئاً وفاعلية وتأثيراً حيوياً عندما يرتبط - ولنقلْ النص
- بأقدار الناس واحوالهم متجاوزاً لآفاق حلم كبير او لاحلام تتجاوز قدراته علي ايجاد
حلول - ككاتب وأديب ليس غير - ولكن يكفيه منها شرف روح الحنان التي تغمر نفس الكاتب
وهواجسه في تعاطيه وتفاعله مع هموم الاخرين رافضاً مشهده كمتفرّج معزول بعد ان ظهر
- وفي كل قصص المجموعة - كانسان رأي في مسألة الحياد موقفاً مخجلاً بل ومخزياً، وبعد
ان استشرف بنظره البعيد وتأمّلاته - ككاتب - ان من المعيب عليه ان يهجر الساحة ما دام
في قلبه وقلمه نبض الاحساس التراجيدي العميق بوجود الآخرين... عناوين قصصه ملفتة للنظر
ورغم ان ذكر العناوين لا يغني عن القراءة الناقدة الفاعلة، فان اشارات العنوان كفنارٍ
هادٍ و (كثريّا) كما وصفه النقّاد وهو يحمل دلالاته أن احسن الكاتب اختياراته رغم ان
العنوان - بحد ذاته - يعتبر اشكالية في عدم ايصاله لما يطمح اليه القاص... كقارئ تحسست
أن محمد الأحمد كان متوافقاً معبراً عن مضامينه في قصصه : (فضاء كله دم، الحلم بوزيرة،
موسيقي قصص الحب، الدروب التي لا تتصل بطريقي، نهض الأب، الضحك (وهذه قصة في منتهي
المفارقة والسخرية الجارحة الأليمة والتمزّق الانساني)، ليلة أخري، كذبة فاقعة للزمن
الفاقع، جثّة قد تأجّل موتها، حكاية الاسرة، شاي حارّ، خمس مقامات في السياسة، خسارة
متأزّمة بالفقدان)...
واذا كان العنوان بمثل هذه الاهمية البالغة
( وان كان بعض النقاد قد بالغ وغالي في فعّالية العنوان حتي انه جعل النص كله متمثّلاً
في العنوان )... حيوية العنوان والاسطر الاولي من النص لم تجعل القاص محمد الأحمد غافلاً
عن نهايات كل نصوصه، فالنهايات وعبارات اغلاق النصّ لها الاثر الكبير في الحكم علي
النص ايضاً، إذ أن ترقّب القارئ للنهايات وتأثره بها - ولا اقصد نهايات المفاجآت المفتعلة
والمتكلفة - ستضاف لمخزون ذاكرة القرّاء، ان كثيراً من القصص الجيّدة والابداعية ظلمها
مبدعوها بنهايات خائبة بدت في هزالها وشحوبها وكأنها شيء غريب عن النص الذي كان سيجيء
في منتهي الجودة الابداعية لولا اضطراب وارتباك القاص وعجزه ان يجد لنصه نهاية هي من
جنس ما تفاعل به مع العنوان والمقدمة وثراء النص عموماً...
(الحلم بوزيرة).. انجاز قصصي متفاعل مع الهم
الانساني العام وفي اصعب حالات القهر... ويشكل باسلوبياته المتحررة أبداً اضافة نوعية
للمنجز القصصي العراقي الذي يتسارع ابداعياً - كماً ونوعاً - وبجدارة الندّ للنتاج
القصصي عربياً وعالمياً...

12/2011/ Issue 4059 - Date 1-

محمد مدحت حسن



(سماء
الاصوات) للشاعر (محمد مدحت حسن)
قراءة:
محمد الأحمد
قد
توقظ القصيدة اسئلة مؤرقة لتكون شاهدة عصرها على مسيرة إنسان اخذته الاحلام
ألضائعة اكثر من الاوهام التي فرضت حضورها عليه فكراً، وامتدادا لماض مقموع لا
يتصل بحاضر متحرر.. خاصة بعد ان حضر العصر صدّاماً موضوعيا يلغي نفي العقل، و يتصل
بمفهوم الفكرة الأصلح والأثبت.. فالقصيدة مكون تراكمي من ثقافات تصاعدت كالمدن
التي حضنت الأنهار وامتدت لتكون موروثاً متناسقاً من اللغة، والهندسة العمرانية،
والتسامح.. على اعتبار ان البشر خطّاء، ومسيرته كلها قصيدة لتصحيح تلك الأخطاء كما
كتبها هوميروس في الياذته الذائعة الصيت، والتطبيق، فقد اراد ان يؤسس الانسان
الاول نقطة ارتكازه على نقطة وجوده واخذ يتسع حول النقطة التي صارت محور كينونة
تفترشها الموسيقى الكونية، والمفردة الحادة، المحددة.. فـ(في السبعين يتنهد وهو
يتنفس، رجل يجلس تحت عريشة عنب أخضر بين نهرين على الحافة ذاكرته الشاسعة خالية من
المدن ونسائها- ص45)، الشاعر يجابه المفردة بسحرها، ويحاكمها على انها نتاج عقل
تواصل بالتدوين، والتاريخ هو لم يكن منتصراً على كتابه، ولو كان منتصرا لما كتبه
المنتصرون، فثمة مقارنة ما بين النهر، والنهر، وما بين المدينة والاخرى.. حيث
المدن امتدت اقانيم ثقافة متبادلة متطورة متواصلة الواحدة بجارتها، كما يرمم
ادونيس الفكرة بأن (الابداع الجديد متواصل مع الابداع القديم، وان الحداثة نوع من
الاستمرار لما في الماضي من الرؤى الخلاقة. وهذا الاستمرار متناقض مع الاستمرارية
التقليدية – الخيطية. فالقول السائد بهذا النوع من الاستمرارية يكشف عن موقف يرى
التراث كانه كبّة غزلّ يلتف على نفسه حاملا خصائص الخيط الواحد، الموحد[1])، الشعر اكتشاف لذاكرة
تتحدى النسيان، بل وتطمره بزحفها المتواصل بالمعرفة اذ ينهض النسيان من التدوين، ينتفض
كمعلومة تحتاج الى المعلومة الاولى التي اثارتها فلا يكون النسيان نسياناً. كذلك
الكتابة، لا تكون حروفاً يفترض مساحتها الحاضرة على الذاكرة المختزنة كمدينة
معرفية قائمة بتاريخها، ومكانها (متى كان العالم مغلقاً ومعلقاً بين فكي ايام
قصيرة مثل الآن ص20), الشعر مدن في ذهن الشاعر تتواصل، معرفيا من شفرات تقرأ وتهدم
ما كان قبلها، حيث الشاعر يتجنب الهدم ولكنه يفترضه كحال واقع فيكون انزياحا
بمعرفية اكثر تواصل مع عصرها (سماء الاصوات سقطت فوق الاحلام في الكتب، غنّت لي
حياتك من مصادفة الرايات الصغيرة. سكتُّ، لن اهزم من إيمائه ولكني خفت على رائي
الخوف في الشقوق. وخفت ان يولد معنى اخر لأجنحة الدم.. خفتُّ وتركت فمي يسيل أقصد
إني محوت الذئب بالصمت- ص 14)... تتوالى الاسئلة في قصائد قصيرة حملت زخة مطر
مبللة، قصائد اسمت نفسها باقناص اللحظة الاولى لبدء السؤال، والسؤال الذي ينزل
مطرا من السماء ليعيد للارض خضرتها، فيكون الماء رمزا لتواصل العطاء، فيتواصل
الشعر عند (محمد مدحت حسن)، تواصلاً متوالياً فالفكرة تختصر السؤال، والسؤال، يريد
اجوبة حاضرة بالمعرفة، (فالكلمة الشعرية تستدعي ما يكون هناك في العالم الخارجي
لكي يكون قريبا منا حاضرا في الكلمات، وكان الكلمات هنا بمثابة - قواقع الكلام او
الحديث- كما عبر عنه باشلار في كتبه شاعرية احلام اليقظة بقوله: نعم حين نسمع بعض
الكلمات كالطفل الذي يسمع البحر في قوقعة- د.غادة الامام[2])، فالمفهوم وفق النظرة
البشلارية هو الوسيط الذي يبدع بنفسه كل جديد، فالصورة ليست قصية في القصيدة انها
مرسومة بعناية ومتواصلة (الخيال الادبي هو ايجاد الواقع بالكلام، هو الرسم
بالكلمات- من كتاب لهيب شمعة لبشلار)...
(سماء
الاصوات[3]) دعوة قرائية لشاعر اراد ان
يسال ويعمق اسئلته بالمعرفة ألتاريخية فثمة موسيقى ذكية تنداح من اسطره الدفّاقة
بالمعاني، بحضور يجعلنا نقرا المجموعة بحبّ وشغف مؤشرين: أنه شاعر الذي حضر عصره بأسئلة
جدية، تفرض حضورها بحضور قصائده الطيبة..

‏21‏-
كانون الثاني ‏-12
[1] ادونيس زمن الشعر ص 145 الصادر عن دار الساقي
لندن
[2] جماليات الصورة
ص315 طبعة دار التنوير2010م
[3] مجموعة شعرية صادرة عن مكتبة عدنان شارع المتنبي
ببغداد...


حكايتي مع رأس مقطوع
رواية صادرة
عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2011م، المؤلف تحسين كرمياني – كاتب من العراق
قراءة: محمد الأحمد
المخيلُ الحكائي يفتتحُ امام عشاقه
القراء على الدوام الاسئلة الحيوية التي تحتاج الى ابتكار يوازي واقعية الافكار
المسطرة ضمناً، أو علناً فتزيح بالخيال المفترض قناعة لتضع اخرى غيرها اكثر
موضوعيه منها. وأكثر ثباتاً لتستقر بذهن المتلقي.
تلك فلسفة متخيل حكائي ترسمه المعاني
التي تنزل على السطور المفترضة ليرسم رؤية تتواصل بإيحاءات تفترش الاجوبة المضمرة بالإيقاعات
الموقدة للذهن حتى يأتي الجواب المضمن كما كان يؤولها (غاستون باشلار) الى
إشعاع متموج، وتحول الاشعاع الى مادة بحيث ينظر للمادة والإشعاع على انهما
متناظرتان حتى يصبح للمادة نفس الخصائص المميزة للإشعاعات من مزايا تموجية
وإيقاعيه (فلا وجود للمادة إلا في الإيقاع وبالإيقاع. فهذا حدس جديد قائم بقوة على
مبادئ الفيزياء التموجية المعاصرة
[1])، حيث التعامل مع رأس بشري
مقطوع امر في غاية ألبشاعة والترويع، والتقزيز.
هكذا بات (البطل الروائي) كابوسا
مريبا بقي يعيشه المؤلف الروائي في ان ينجز كتابة روائية عن واقع عراقي الإيقاع
وإقليمي الاتجاه. من بعد ان فقدت الاشياء الجميلة، والجديدة رونقها عندما وجد (المؤلف)
الراس المقطوع وحمله في كيس ودون علم من احد ليبقى يحدثه عن فلسفة الفصل بين الراس
وبقية جسده.. حمله سرّاً متيقنا بانه السر الذي يلهمه كتابة سطور هو بحاجة الى
قولها. (أي ان العلامات لا تمتلك معنى لأنها تطابق شيئا واقعيا او جوهريا ولكن
لأنها تنشأ ضمن شبكة من الثنائيات المتقابلة والمتضادة والمختلفة التي تشكل في
النهاية اللغة- دريدا).. كانه وجد لسان حاله الذي سيمليه ما على المؤلف قوله.. يهديه
نصاً يرصد الواقع ويتدخل في تفاصيله.. فينفي المظاهر وينكر الوقائع ويحول ملحمة الرأس
الذي كان مقذوفا به الى القمامة الى ملحمة رأس تحدي بدلا من ان يكون مهملاً سمجاً،
ويتحول الى فعل اعتراضي (سوف اكون من سكان العالم، رغما عن هذا العالم
[2]). انه رأسٌّ لأسئلة تحاول
ان تفرض كيانها التعبيري، والشكلي، لتتحول من اسئلة ادب تطرحها حكاية لتثير اسئلة
وجود.. يفرضها الواقع كون الملحمة هي ابنة العقل الذي يتصور العالم مليئا بالصيغ
الفاعلة المؤثرة.. كأنها ملحمة عاصفة يلفها السحر والأشباح فالتاريخ هو مسيرة
العقل من اجل وعي ذاته (لا يعني هذا ان الملحمة لم تتحدث عن افعال وشخصيات واقعية
بل يعني ان هذا الواقع كان يعمل ضمن قصور عقلي في فهم العالم افرزته مرحلة التطور-
من تاريخ الرواية
[3]
ذلك هو رأس يحكي قصة حب لم تتطور الى حكاية مثيرة كما مفتتح حكاية المؤلف وسلواه كراوي
يريد الروي ولم يكن من بدّ إلا تدوين حكاية الرأس المثير للجدل.. فيتحول المؤلف
الى مصغ جيد الى حكاية الراوي كـ(رأس) محولا الخوف منه وعليه الى سرد منتظم يحتوي
على واقع معاش لا يقل بشاعة عن الصورة نفسها.. (كان فاتحا عينيه، ابتسمت مفرغا
شحنات جسدي من الغضب الذي توالد لم يبتسم، ظل يمتلك صرامة في التحديق اخرجته
ووضعته أمامي قال لا ينفعل كاتب الرواية حين تسكنه فكرة ما- الرواية ص 107)..
تأثثت الحكاية على المفارقة الصادمة التي
وجهتها الراس المقطوع الذي لم يعرف الرواي من صاحبه حيث حيوية الكتابة جعلته
ينطلق، ويعترض ويتقول ما لم يقوله (ذلك الرصيف قيل ان مقاولا (لطش) الفلوس المخصصة
لتعميره، سرق الفلوس نهارا وغادر من غير وجود عيون قانونية تلاحقه لتعاقبه-
الرواية ص 13) بشكل سردي متوازي مع ما
يحمله المؤلف من افكار حيث صار الراس مؤلفا يملي على الكاتب شهادته وسيرته التدوينة
دون التفات الى عفوية القناعة.. يحاول المؤلف ان يخفي عن زوجه القصة (لأجل ان لا
تروع الشريكة)، في حكايته المبتكرة مع الراس حيث تتصل بالحكاية الاولى حكاية
الدمية مقطوعة الراس التي تتحول الى راس بشري لم يمت فيأتي (صوتاً) ما في جعبته كل
ما يريد السمّاع سامعة.. لقد اوجدت الحكاية فراغا غامضا ارادت الاشارة الى ان
الدمية هي التي انفلتت من جسدها ووصلت اليه في لا وعيه لتستقر فوق الدولاب، وتنطلق
نيابة عن المؤلف مؤلفه.. فهي تعود بنا الى قصة فليم (اللعبة تشاكي).. ورأسها
الرهيب فتلك قصة اخرى من تلك الصورة المخيفة التي يرويها المؤلف مع راس الدمية
المقطوع والتي تحسسه وتثير فيه التشاؤم..
نودُّ الاشارة بان (تحسين كرمياني)
رسم بإبداع نصاً يقول بفكرة مبدعة ما كان على المبدع ان يبتدعه.. دونت كحكاية
جديرة بالقراءة وجديرة بالتأشير لما فيها من سرد وهدف نبيل.
‏02‏
كانون الثاني‏، 12
[1] غاستون باشلار
جدلية الزمن...
[2] غاستون باشلار
جماليات المكان...
[3] حنا عبود ص 10


نصوص (حربيات) للقاص مشتاق عبد الهادي

قراءة: محمد الأحمد
غالبا ما يُذكي النصُّ الذكيُّ اوجاعاً بالغة الوقع حينما يحقق كـ(نص ادبي) هويته التدوينية الشاهدة على عصرها النازف في زمن الصراعات والمطاحن والحروب الإقليمية. فالنص الشاخص يشبة علامة بارزة تكشف وجه عصرها، وأزماته لتخترق بتحدّ كلّ رغبات الرقيب، ومقصاته الدامغة. وتكون بثقافة سمتها العمق المعرفي، ومساحتها الزمن (التاريخاني) كما ذهب (جورج لوكاتش)، فالكاتب (مشتاق عبد الهادي في مجموعة نصوصه الموسومة بـ "حربيات" الصادرة عن دار الينابيع 2011م) هو مسار الأزمنة وخطها الذي يشير الى كل ما هو محذوف بدلالة الشاهد على الغائب والغائب بأثره المحفور، المستنتج، المعلوم. كما يُجزم (دولوز) أن الإشارات تُفضي إلى التعلُّم، ليس إبداعياً فقط، إنما حياتياً أيضاً: (لا يصبح المرء نجّاراً، إلاّ إذا كان حسّاساً حيال إشارات الخشب، أو طبيباً، حيال إشارات المرض. فالموهبة هي استعداد أولي إزاء الإشارات)، فالكتابة هي بوح لا يتأخر، يعطي الصورة الحقة ليأخذ موقعه في مسيرة موقف من الحياة والمجتمع، يدوّن الصورة ليكشف ما على الانسان من استلاب فيكون احتجاجاً صارخاً.. ذلك النص الشفيف الذي استدرج ذاته في لحظة كتبت وهي تنزف ألماً، وتبوح بما لم تبحه النصوص العراقية، كمن يرمي حجراً في الماء ليحركه- لتبدو- تقرّب فهم النص الذي ينطوي على علاقة جدلية بين النص في مجمله من ناحية، وقارئه باعتبار هذا النص لحظة تاريخية وسياقة اجتماعية مغايرة. (انهارت في لحظة جميع النظريات التي تؤكد عدم جدوى السلاح، فها هو قد تحصن من الجوع لساعات بعد ان قايض البندقية برغيف خبز يابس- ص7) لقد غيبت النصوص سردها القصصي، ونفت صورها الموصوفة بشعرية مختزلة، شفافة، اذ صارت الاشارة فيها تكمل ما اراد الكاتب ان يسرده كقصص قصيرة جداً، جاءت في اغلب العتبات كرسائل قصيرة (مُبرقةٌ).. حيث احتوى الكتاب على فهرس متكون من ثلاث عشر مجموعة انضوت كل واحدة منها على نصوص قصيرة عدة . صارت شخوصا، وصارت مفارقات، كجنس حديث اقتضته ضرورة العصر، من سرعة واختزال. نصٌ اراد الرميّ، فأصاب.. نصٌ ادبي اختلف المختص حول تسميته، بعضهم قربه من مصطلح القصة القصيرة جدا (اقترب من الصورة)، والبعض الاخر ابعده الى قصيدة النثر (ابتعد عن السرد). وغالبا ما يحتاج الى منهج نقدي يركز على تفسير النص بشكل عام وربطه بزمن كتابته، وأيضا محاولاً فك العقد المتشابكة حول طبيعة النص (كجنس ادبي) وعلاقتها بالكاتب وعلاقة بالموروث، والأسطورة، والوجود (اخر الفتاوى تلقاها تؤكد ان النقاء رجسّ يجرك لبساتين السماحة البغيضة، لذلك فجر صحون الحليب- ص 49) بالإضافة الى علاقات النص بطبيعة كاتبها النفسية، لاجل ان يركز على علاقة المفسر بالنصّ في استقلال عن قصدية المرسل. كون الذات الساردة بعدت عن العنصر الاساس الذي يجعلها ساردة صورة متكاملة، فالعلاقة متكونة من الدال والمدلول، والتركيب يعني علاقة الكلمات ببعضها، والتبادل يعني التشابه والاختلاف بين شيئين.. كلّ يستنتج الشفرة وهي التي تحدد الدالة الأدبية.. (يستبدل فواكه بستانه الطرية بفواكه المومسات التالفة لا لشيء إلا لأنه كان مولع بمقايضات المختلفين- ص81). فوظيفة التحديد المفرط تتوخى الوضوح، كوظيفة التحديد الاقل تتوخى الغموض.. فذا كان منهج (هيجل) في مثاليته وموضوعيته تناقش كون الفكرة هي الروح وهي ذاتها جوهر العالم، وعلى ان الواقع بظواهره ونشاطاته واشيائه تجسيد لهذا الجوهر وتعبير عنه.. اي ان الوعي سابق على الوجود والواقع تجسيد للفكر ومظهر له، فان اغلب نصوص الأرض قاطبة، تتخذ المنهج الموضوعي القائم على جدل (اساس العالم يخضع في تطوره لحركة جدلية لصراع داخلي يدفعه الى الحركة والتغيير بالانتقال الى نقيضه)، فالنصوص التي حملها كتاب (حربيات).. هي نصوص استثنائية لها كيان بشكل اعتراض واحتجاج ورفض.. اعتراض في طرح المضمون واحتجاج على الاستلاب ورفض للشكل السردي، فاغلبها نصوص جاءت مشحونة بلغة تشير الى انها تحتاج الى قارئ متفاعل بزمن، وثقافتة كاتبها.. حيث يؤكد (فولفانغ آيزر) التفاعل بين النص والقارئ.. (تكون شفرة ما محددة بإفراط حينما تكون معلوماتها السردية الساخرة، والتاويلية والرمزية واضحة جدا ومشفرة بإفراط وتعود الى ما وراء نطاق الحاجة الى المعلومات، وعندئذ، وبمعنى معين يكون القاريء مشفرا بافراط ايضا ويظهر في النص "متكلفاً" احيانا مثل شخصية خارجية كما في الحالة التي نوجه الكلام فيها الى شخص بصورة مباشرة ).. لقد اختزل النص مساحة رائعة من القول وكان بالرغم من بعض هنات العجالة ان يعطينا شحنة من الكلام الذي بقي يتفجر في الذهن، ويتعاطف مع الهمّ العراقي الكبير. لقد استطاع (مشتاق عبد الهادي)، ان يحقق نصاً جميلا يدلّ على كاتبه، ويدل على زمنه ومساحة ارضه.. (كان يراقب بحزن رتيب سماء تمطر ضوءاً حال وصوله الارض ينطفئ ليتحول الى عتمة مطبقة- ص91).. طوبى لنص يستمر القول بعد قراءته فيثير جدلا، واستحسانا بمحبة..

‏الخميس‏، 02‏ شباط‏، 2012

Tuesday, August 4, 2009

Friday, July 17, 2009

كنت شيوعيا

كنتُ شيوعياً
كتاب: بدر شاكر السياب
قراءة: محمد الأحمد
كم تغري، وتغوي (اعترافات) الشاعر الخالد بدر شاكر السياب المنشورة في جريدة الحرية البغدادية عام (1959م)؛ التي ضمنها كتاب (كنت شيوعيا)، 255صفحة من القطع المتوسط، والصادر عن دار منشورات الجمل الطبعة الاولى (2007م)؟.. تغري لان التاريخ الممسي قريبا قد ضببته المصالح والمطالح. وتغوي لانها سوف تحدث عملا استنتاجي – لماذا؟ ظلم شاعر كالسياب من قبل بعض التيارات التي تبوأت السلطة يومها، فالأديب في كل زمان شاهد على عصره، وقد أمسى مجمل نتاجه دليل الشاهد على الغائب، فكم من حدث أغفله مؤرخ التاريخ، وقد وجد ظاهرا للعيان في آداب الشعوب والأمم، فالحقيقة تبقى شاخصة هنا او هناك في كل مكان، وما عاد على احد باستطاعته تغيب ما يريد، لان النص الحاضر هو الحاضر وهو الدليل عن التاريخ الغائب، حيث النصوص مهما بعدت او قربت بالزمن تبقى نصوصا غير بريئة، تظهر، وتطفو، ولابد؛ لتكشف حركة التاريخ في الإنسان، وأيضا تكشف الإنسان في حركة تاريخه، وهو يتشكل من عائلة والعائلة من عشيرة والعشيرة ترتبط بمكان، كذلك الانتماء، او التمرد عليه كمكان او فكرة او غير، فتنفع مثل هذه النصوص من أراد ان يقرا عن تعقيدات الوضع الإقليمي الذي عاشه العراق، والذي انعكس بكل ضراوته على حيوات إنسانه المثقف، حيث فرضت صراعاته توترا مفضوحا بكل مفردات الحياة، وحضرت تيارات أرادت بسط نفوذها بعنجهية من لا يريد لغير نفسه بالبقاء، وباشرت بكل ما أمكنها من قوة لدعم التخلخلات الفكرية الموجودة أصلا في بنية العقل العربي، وصارت المدارس تسقط المدارس، وصار المثقف هدفا جليا لكل من جاء.. صارت الفكرة تنهش الفكرة بكل ضراوة، وصار المثقف عرضة لنشر كل ما لديه من غسيل، وأصبحت أوراقه عرضة لقبض الريح، وقد بني على أهرام أنقاضه أهراما من المواقف لن ينسها الزمن، وبعد ذلك صارت مهددة للمنجز الإبداعي لاي أديب كان، و(بدر شاكر السياب) غطته بجناحها اختلافات المناهج، وعرضت إبداعه الكبير الى ما لا يحب معجب ان يراه.. حيث بددت بعض خطواته الانشغالات بالوضع السياسي، وقد جار عليه الكارهين جورا بليغا، الى حد رموه بـ(المختل). فالاعترافات بهذا الكتاب شيقة، بالرغم من كل شيء، وبالرغم من كل دافع تغري بالقراءة، وما زالت تفوح منها رائحة الأزمنة الغابرة التي مرت على العراق وأنهكت قواه، وجعلته يحفر بالصخر لكي لا يضيع له حقاً، وان ضاع، وان نسي..
‏15‏/04‏/09

Thursday, October 2, 2008

Thursday, September 11, 2008

خمسٌ مقامات في السياسة والجوع


خمسٌ مقامات في السياسة والجوع
· مقامة (1)

حدثوا إن ناحلا الملقب (هايشويه) الخارق الغباء، يسترسل بحلمه بارما شاربيه دون أن يهش الذباب المتكالب على وجهه… ذات مساء مغبر، ومشبع بالدبق والرطوبة. إذ أخذتة نشوته وحلقته في خيال لا يمت إلى واقع جوعه، وجوع حمارته المطيعة، فقال لها بعنجهية: - سأجعل لك جناحين تطيرين بهما فوق الغيوم العالية!. هزت الحمارة ذيلها بلا مبالاة ثم اخذت تحك جلدتها بشجرة سبق لصاحبها أن أوقد نارا تحتها، فتساقطت أوراقها و بقيت تحدث صريرا كلما حركتها و بدت كما لو لم تسمع ما يقوله مغتلما بالزهو… - سنطير فوق مخازن الحبوب وندخلها من كووها العالية؟!. بقي الرجل مسترسلا والحمارة أحوج لان ينزع عنها الخرج الملي بالريش الذي سبب لظهرها حكة مؤلمة… ظننتها قرادة مسينة قد لصقت تحت الحمل و بقيت تدس خرطومها الطويل الحاد كابرة موخزة إلى تحت الجلد بحثا عن شريان يندفع به الدم النقي… ذلك كل ما حدثوا به عن الرجل، و حمارته. أما عن أولاده الأربعة و حرمه المصون، فأننا في خبر سنفرد عنهم فصلا آخر.
· مقامة (2)

انتصرت علينا الحرب، ياصاحبي الذي أعرف؛ وما في العمر متسع للفرح، فلا اصدقاء من جلينا اوصو بالحفاظ على ما تبقي فينا، من مثل. لا ساسة خلص... لان الرصاص نفد، ونفذ فينا، الألم الممض، الإنتظار المقيت.. فما في العالم من أسلحة الا واثبتت اجسادنا بانها تتحملها حدّ الموت، وما في العالم من خطابات الا واثبت اسماعنا بانها تتحملها الى حدّ القرف، يدفعوننا لغاية في نفس السائس المختل بكراهية من يغتال اخيه.. وصارت الجثث بيننا وفوقنا، وكأن السماء امطرت شظايا جثث طازجة توهب نفسها للحرب التي يعرفون باننا وقودها الدائمة، لم نكتشف مبكرين ذلك، فما في العالم من دموع الا وذرفناها بافتقادِ احبابنا الغافلين في بيوتهم النيئة.. لكن الحرب لم تمت عندما متنا، ولم تنته بعدما انتهينا.. انتهت الحرب وخلفت ابنائها منا؛ وحوشاً لم يشبعوا من اشراف الابوة.. انتهت الحرب،، وخلفت اساطيرها العمياء لتذبح الخلية قرينتها الاخرى في الجسد الواحد.. حيث الشوارع النظيفة لم نشاهدها يوما واحدا نظيفة، ولا معنى ان نعرف ذلك؛ فقائد الحرب، ممثل الرب.. كان يشرف على الموت بنفسه، وكان الموت يتحرك بامرته فيفرش اجنحته الرؤومة فوقنا؛ انتصرت علينا الحرب وخلفتنا تهاليل موت متواصل بالموت حيث لا فرح إكتمل باجازة او هروب؛ تركنا الفرح عاطلا، وبات الامل باطلا.. اذ تركنا الموت ساريا فينا الى اشعار آخر، لا يبهرنا بالموت سوى الموت نفسه، ولا ينقذنا من الموت الا شبح الموت نفسه. انتهت الحرب و نحن الميتون، المتعففون به؛ ننشدكم خلاصنا من الموت الذي لا مناص منه الا به، فلا حولة ولا قوة الا بالموت العظيم: انتهت الحرب وما انتهينا من الانتصارات المتعاقبة بالسن الساسة فوحدهم من يحول الهزيمة الى نصر من هشيم، والهشيم الى رماد، والرماد الى تماثيل منتصبة بلا روح، سوف تدفع بها الريح الى التفتت، ولكنها الآن؛ شامخة بنصرها الشفوي؛ انتصرت علينا الحرب القائمة بين الشرق والغرب وخلفت مواطنا مدحورا: بين النار ودخانها، بين العدو والصديق؛ برغم ان تموت برصاصة غدر، او بفريق موت ليعيدوك الى الموت بحجة انك لست ميت؛ رغم المسدسات الرعناء، رغم كابوس (الدريل)، ورغم شحة الماء والكهرباء، والإنسانية.. فما لدي سوى ان اقول يا صاحبي الذي اعرف: الاسوأ ما في ايامنا هذه هي عندي اجمل من عيد في عهد (فلان).. وان انتصرت علينا الحرب؛ لانها بداية مفترضة قد ننتهي بها إلى آمالنا.
· مقامة (3)

عن ابي فلان الفلاني سمعته يحدث عاطلين عن العمل في مقهى المدينة الخائبة، انه قال: (تعجبت من جوابه المتشابه، قلت لصاحبي… ماذا يكون هذا السوق بحيث يحوى كل شيء… كلما احتاجه سألقاه في سوق الجمعة، فحددنا موعداً في اليوم التالي، وكان جمعة. و بعد أن وصلنا إلى السوق تلفتّ فلم أجد أثراً لصاحبي في المكان المقصود… بحثت عنه في كل مكان قرب السوق، فلم ألقه… فكان علىّ أن ادخل السوق وحدي… في البدء لم أتعجب عندما رأيت ساعة جدارية تشبه التي أهداني إياها والدي في عيد زواجي الأول، ولما تقدمت اكثر إلى داخل السوق بين الناس، فكان من النادر جداً أن لا ألا مس أحداً أو اصطدم به… وقفت أمام جهاز تلفزيون، وكنت فيما مضى قد وضعت عليه صورة لا صقة أعجبتني دلالتها. حدقت فيها، وقلت من الجائز أن تكون مصادفة… العلامة ذاتها، والزاوية ذاتها. ولدي بائع آخر وجدت ثلاجة بحجم ثلاجتي عروة بابها مكسورة أيضاً… تلك الحادثة حصلت عندما انتقلت إلى بيت آخر قبل أكثر من ثلاث سنوات. تقدمت أكثر… رأيت بائعاً آخر يعرض مجوعة من صحون الخزف الصيني وكان بينها صحن يحمل صورة ابني الصغير، أتذكر أني أزحته جانباً صباح هذا اليوم، و تناولت من قربه علبة دخان سبق أن سجلت عليها رقم هاتف أحد أصدقائي الذين كانوا معي في الحرب، فزعت عندما رأيت العلبة ذاتها مع مجموعة علب أخرى تحت يد بائع آخر. فكرت أن أعود سريعاً إلى البيت، وأتفقد أغراضي التي رأيت أشباهها في السوق. ضاقت بي الخطوة بعد أن تعثرت كثيراً بالناس المزدحمين وصار من الصعب علي أن اختار الخطوة التي أريد. تلكأت بعدما تقتمت في رأسي الأفكار السوداوية، ولم أعرف من أين دخلت وكيف سأخرج؟ صارت الممرات أمامي بشعاب متفرقة و مسالك متشابهة كأني لم ألحظها من قبل. كان الناس من حولي تشتري كل شيء، مهما دنت قيمته، و ما لا يمكنني تصديقه، رأيت أحدهم يبيع (سيفون) التواليت وشككت بأنه لبيتي… أخذني الدوار عندما اندفعت بين مجموعة من البائعين تنادي بصوت واحد على بضاعة واحدة تكالبت عليها الناس، صار الزحام حولهم أكثر من أي مكان، ولم أتبين بوضوح كومة الأيدي المكومة بعضها فوق البعض، وعرفت أيضاً عندما أشترى أحد ما واحدة كانت بوشم أخضر بانٍّ جلياً على ساعدها فعرفتها لصاحبي الذي صاحبني إلي السوق هذا. عرفتها لصديقي الذي ثارت عليه إطلاقه مسدس وشظفت بنانه… كان قلبي يضرب بعنف عندما انتزعه أحد من الذين حولي، ونادى على بيعه فوراً)، واضاف باننا لن نصدقه حتى تدور علينا..
· مقامة (4)

لا ادري كيف أصبحت سائلا لزجاً، بدا جسدي يتضاءل شيئاً متحولا إلى زلال بيض او ما يشبه بلون لؤلؤي غميم. عظامي انصهرت، ولحمي ذاب و بقيت أتركز شيئاً دبقاً هلامياً، متكوناً من فركتوز، كلكوز، بروتينيات، و بلازما منوية و تلك نائمة… أخذت أسيل من على السرير، أريد أن أماسك نفسي- إلا أن حافة السرير منحدرة، فلم استطع أن أعلق بشيء. حاولت الصراخ، لم يكن صراخي سوي فقاعات صغيرة بالكاد شقت كثافتي التي أنظرها جلية في التماعي، وتلك نائمة تغرق في حلم دافى؛ بقيّ البرد يضربني، وأنا أسيل مندفعاً باتجاه ما. قوة تجتذب كميتي كلها إلي ما ليس ادري. لو استيقظت (تلك ) لسبتني، قبل أن ترمقني بنظرة شزرة من نظراتها التي تكشف عن اشمئزازها الدائم .( دون أن ازرع في أحشانها شيئاً). … وتلك نائمة، فسرت باتجاهها ودخلت محشوراً باتجاه العمق المظلم الدافيء، ومرة سرت باتجاه جذر الشجرة و دخلت محشوراً باتجاه العمق المظلم الدافيء، وأخرى باتجاه الماء، مختلطاً معه، منتشراً فيه باتجاه العمق المظلم الدافيء، اذ سرت باتجاه أبي مختطاً بترابه- باتجاه العمق المظلم الدافيء.
· مقامة (5)

وقفتُ أتأمل صرحها، وأنا اشق نفسي في إحتبال النشوق، وكان عندي ليل بهيم يحضره إخوة تعساء، وأهل لا يقيسون ظهر المجن إلا بما يروه. وهم لم يروا إلا ظهر البعير، ولم يقولوا قولا ابعد من سنامه. بقيت أترقب السهل الأصهب الشذيّ بعطره.. ثمة محاور أخرى علي أن انظم سردها.. مثل القدّ واللثم، والأنفاس الأخرى.. كانت الساعة عندي تساوي جدلا بما يساويه الليل من انجاز، وكانت ريح باردة، وكانت أيضا ذئبة جائعة تفتل الخيام باحثة عما يجعلها تواصل الليل بالنهار، ارتجل الخطو العابث، الحمى تتواصل على من معي، وما عدتُ من لهاجي أبدا حيث اختليت مجبرا على ان أكور نفسي باتجاه جنين يعدني بالأمل. عصفت العاصفة وقلبت كل المكان كأنها شرطة تبحث عما توده.. كنت على يقين باني لست هدفا لها، ولكني كنت أقوم واقعد واحلم وأتنفس عبر خيط من ذكرى ياخذني إلى ذكريات تتواصل عندي بالأشياء الأخرى.. الصمت كان قاتلا أبديا لو يدخل عليّ لأنه كان عندي أمل بأنني الملتهم ومعي الضعفاء اللذين يقرون علي شجاعتي التي لا امتهنها.. بقيت ارقب الصدى القادم من العويل، وكان الليل قدما في البرد الذي أثلج قدمي وأيبسهما؛ اذ بقي الصباح يشق رحلته البطيئة، ولم يكن أفقا هناك يدل على أمل قريب… حيث كان الصمت موحلا بتراخيه، والوجد مذبلا كل مآقيه.. قالت تهمهم بنومها، والحمى واصل عليها هذيانها، الأقداح التي ظننتها أقداحا اهتزت في آنية المساء الخائبة.. لم تحوِ حتى فتات وجبة منتهية… الليل يتواصل، وأنا أتحسس ما حولي، واسأل نفسي ماذا لو هجمت عليها الغياب وأنا في الظلمة الحالكة.. أناور حاجز الظلام بما لا ادري.. كم أتعبني هذا الضياع المتناه في السر الذي لا يعادله سرّ آخر، فلا بندقية من حربي السابقة ولا عندي إي افتراض أقاوم به… هل استسلم؟ لا شرق عندي ولا غرب أتأمل به بعدي عبر المكان، والزمان معلق، ومهدم بالرعب الظلام ينشر فوضى من الحس المتواصل بثقل الهواء؛ البرد يمرّ عاتيا في الحواس ويغرقها، بقيت انظر لوحة العماء الكثيفة، وانتظر موتي؛ بقيت وحيدا انتظر حتفي.. بقيت اكتب ضعفي كانسان وحيد..
‏الثلاثاء‏، 02‏ أيلول‏، 2008

Saturday, December 1, 2007

abbas


عباس الأموي.. عام على رحيل قاس

لم استطع أن أرثيك يومها، لأنه كان موسما قد تساقطت فيه الحمم، القاسية المتلاحقة من كل حدب وصوب، فخسرت فيه معظم الأشجار الباسقة من بستان عمري، وخلفت في عمقي راسبا تكلس جبلا في دمي وما عاد الدم في دما؛ كذلك الوقت فلا عدت من هزيمتي منتصرا. رأيت العراق كله فيك فالوطن ثلة أصدقاء، وقد تلقفته أمواج أبناء الفعلة الغرباء اغتيالا، صيدا ثمينا، تهجيرا، تفتيتاً، تمثيلاً، ليعود الهيكل البشري العراقي بلا جثة، مثخن الجراح. فعاد وطننا بلا وطن، وأصدقائنا الغرّ الميامين بلا موطئ قدم، يحملون الجرح هوية، ويندبون أيامهم مرير البكاء.
فكان علي أن اكتم حزني عليك طوال ذلك العام، لأننا سويا قد انهينا كتباً متميزة بما كنا نخترقه بالبصيرة، ما كانت لتقرأ، إلا بالتحدي والصبر الجميل، وشاهدنا أفلاما طويلة جدا، ما كانت لتشاهد إلا بالإصرار وانتظارا للموسم الجميل. غير آبهين بالممنوع أو المسموح، فالسنين التي مشيناها معا انفرطت كما سنبلة، أو انكسرت كقدح من خزف، وصارت أيامي القادمة، دونك، ينقصها الكثير من الحماس، وقليل من الصبر، وما عاد الموت إلا قريبا يطلّ علي من الطرقات، ويظلل بامتداد سوداوي كل حبات المطر، حيث يطاردني بين السطور، التي ارتجها في كل جهشة عليك، وما عادت الأنفاس القديمة كما عهدتها عندي، ف(فيدرك فليني) صاحب أطول اللقطات الفنية إبداعا ما عاد يمسك لحظته الهاربة كما كان يحصل إذ مات هو الأخر ويحلم بتصميم كاميرا لها زاوية 380درجة. كذلك المخرج العبقري (كابولا
[1]) من أكثرهم تجربة في إقناع المشاهد بان فليمه معقول على الرغم من عدم معقولية الواقع، ولأنني أتأمل منك أن تقرأني كنت أؤكد ما قاله رينيه ديكارت (1650-1596) بشكل لا يمكننا تغيره (أنا أفكر إذن أنا موجود)، فالفكرة نتاج عقل ووليدة وجود، فلا يمكن أن توجد فكرة خالدة ما لم تولد من فكرة مدونة استند عليها العقل وتطورت، حيث أفكار الإنسان وحدها التي صارت المدونة هي التي تتواصل بالعطاء وتنير للإنسانية الكيفية للاستدلال إلى الفكرة الحية، والفكرة وليدة الفكرة، فهذا التراث الإنساني وهذه الكتب التي تحوطنا من كل اتجاه ما هي إلا نتاج عقول وليس عقل واحد، والفكرة الراسخة تدحض الفكرة الهشة، وتحل محلها، تفرض ثقلها على متلقيها وتدخل في مناهج الدراسة لتكون ملكة بشرية تولد منها الأفكار الأخرى أو هي تقوم الأفكار الجديدة، والفكرة الميتة تنسى، و تهمل لأنها مبتعدة عن فعاليتها في الثبات، وهي لا تجد من يؤمن بها، وقد ارتبط التفكير المنطقي بالوجود الإنساني وما يخلفه العقل البشري هو ثباته الراسخ، وأثره العميق، ولم نكن يومها نعرف بان الإنسان يصرع الإنسان من اجل فرض المنهج، كما مرّ من سابق الأزمان فكان علي أن أعود إلى موطننا (بعقوبة) لأشاهد بقية ما بقي من المدينة التي احتضنت نهرها (ديالى) العظيم، وبقيت بحيرة أشباح يعلوها الآسن، فأين خطوتك معي يا بن أكثر من أب وأم، واقرب من صديق.. جعلونا مفترقين عند مشارف الأربعين، وجها لوجه، وقلبا لقلب، ولكن في ذاكرة واحدة؛ أمر بجدول (خريسان)، وسطور كتابتي عنك تدوي في ذهني، تضرب كقرع طبول مجنونة، أما يكفي من خراب كنت اشعر به، ومعك أراه، أما يكفي من حزن بغيض جعلنا نخاف من هويتنا على هويتنا، (يحتل مساحات الأبيض.. جمر شرس، وعواصف سود، ورماد.. لكن الشجر الهارب من اسر اللون يعود إلى الأرض، ويزهر في طرقات الليل- فوضى في غير أوانها[2]) فالعراقي الكائن الوحيد في هذا العالم صار يخاف من بطاقة هويته، ويخاف من كينونته، آو انتمائه، فما عاد الفخر عراقيا ولكن عاد الفخر كيف ينجو من الموت بأعجوبة، رأيت عمرانها المحدودة قد تهدمت، وشوارعها قد تحفرت، حيث يمشي فيها الذعر والفزع، كأساطير المقابر، ويصفر صفير الموت مدويا إذ داستها سنابك خيول الأوباش، كما رأيت عربات نقل تعتمد الحمار بدلا من الماكينة، والحمار بصوت كريه يسود الأمكنة، ويوزع روثه في الأمكنة على الرغم من سياط سائسه. كنت اغني لك ما كنت تحب، وأسألك عن أول فليم (ملون) وأول كليب غنائي، بينما انا امسك هاتفي النقال لا أريد أن امسح رقم هاتفك النقال، لأني واثق كل الثقة باني لو طلبتك فانك تحدثني بما أتمنى أن تحدثني به، (رهائن تشرى وتباع في سوق الخرافات.. سبايا في حريم الشرق.. موتى غيرُ أموات.. يعشن، يمتنّ في جوف الزجاجات صديقاتي.. طيور في مغائرها تموتُ بغير أصوات- قباني) اليوم أمر في مدينتنا (بعقوبة) الجريحة بعراقيتها، وأنا احمل كتابا إليك، أعود به بطيته حيث تجدني أقول لك؛ لا احد غيرك يريده مني، وما عاد (الفليم) الذي كنا نراه سويا يشدني لأني أتذكرك تسرد لي سيرة هذا المخرج واهم أفلامه، وتعرفني بالممثل الأفضل منه، وما عاد الهم هما في اللغة، لأني ما كنت اسمع المفردة، كما أنت تسمعها فأنت تعرف الله وتعرف لهجات أهل خليقته، وما كنت إلا سماعا جيدا لتنهدة الهدهد، وكنت بضحكتك تلفتني إلى ما رمى إليه (غابريال ماركيز) عندما ربط رائحة المني برائحة اللوز، وخيبة الغراميات الفاشلة، فالزمان اليوم غير زماننا، والنهار اليوم غير نهارنا، لان أطفال البارحة يحكمون قبضتهم على المسدسات الفارهة ويصطادون بها الهوية العراقية كيفما تكون، (ليست الهوية الوعي وحده، وإنما كذلك اللاوعي. وليست المعلن وحده، وإنما هي أيضاً المكبوت المسكوتُ عنه وليست المتحقق وحده، وإنما هي كذلك المشروع الآخذ في التحقق، وليس المتواصل وحده، بل المتقطع أيضاً، وليس الواضح وحده، بل الغامض أيضاً- أدونيس).. صار اليوم يطول بالخوف، وبالفقدان، وما عبس إلا لأجل أن يتولى وتضحك لان اليوم الجميل لا يطول، فتلك الرصاصات الثلاثة التي خرقت صدرك ومعدتك، فإنها ما كانت لتقصد فيك انك تجيد اللغة الانكليزية، وأنك تعلمت جيدا الإخراج (من أكاديمية الفنون الجميلة)، وقرأت جيدا من مكتبتي مئات الكتب، واستوعبت درس التذوق والتطور، إلا كونك بعضا من العراق، فكان علي أن ابكي كل بكائي، فارشاً نهري على هذه الأمكنة التي وقفنا إليها، صديقان حميمان، يتجادلان في الأفلام، والأحلام، والأوهام.. فالفرق يا (عباس الأموي) باني كتمت البكاء، وانشغلت بالفقدان، فكيف سأحتوي مساحته؟، وكيف امضي وحيدا بين أكوام تلك الكتب التي قراناها، أو قرأتنا.. فقد مضى عام على أن يكون العمر أكثر ضيقا، وعلى الجملة أكثر انحسارا، فأمسيت على قصتي التي تحدث معك، أكثر قلقا، يومها لم اصدق، حيث مشيت كفارس لا يعرف أين يمضي به الفرس الجريح، والطعنات غير المكتشفة من تحت الدرع الحصين، وكنت كمن يرى فليماً مقبس عن كابوس، سوف تتغير نهايته في النهاية. فهذه المدينة التي أخذتك مني، او أخذتك من ابنتيك الحلوتين، وسافرت بك إلى ما لا تريد. بعمق ما يعكسه من إيمان بفكرة انك توفيت، وما كانت (فرجينا وولف) ترجوني أن اكتب لها عن امرأة هي تراها رجلا، وكنت أنا أراك تبوح بسرّ تكتمه الأيام، فما من وقت يكشف الرداءة إلا كتابة راقية تفضح تناقض التناقض، وما كنا يوما لنقرا صمتنا فإننا نقرا سويا جرحنا، ونقرا نواقيس الذكريات لغيرنا. وأعجبتنا رواية السفينة (تيتانيك) التي أبحرت في الأستوديو عميقا، من ان تلامس مياه المحيط، كما أعجبتنا وجوه ملائكية لأغلب الفنانات، وصار عندنا مقياس الجمال الواقعي، فالفيلم يتكامل لبنة فوق الأخرى، وكل اختيار فيه محسوب مدروس من بعد أن اخذ من رأس المؤسسة التي تدعمه كامل الدعم، وكم كان حملك على حلم بقي ثقيلا بأن تخرج فليما كل رأس ماله كاميرا (ديجتال)، لكن ذلك كان يتطلب القبض على فكرة قصة قوية، تسحب المشاهد إلى البعد عن مواطن ضعف الأداة، وكم كنت تحب حبي للموسيقى كونك تساندني الرأي بان أية مقطوعة موسيقية، سوف يتغير اسمها الحقيقي إلى اسم الفيلم الذي يستخدمها، وكان مقطوعة (رميو وجوليت) التي نعشق قد تحولت إلى اسم فليم (العراب)، كنت تقول بان الأفلام (الاكشن)، تبقى خالدة لانها تاريخ استيديوهات، وكنت أقول بان الأفلام الروائية طرقاً جديدة للقراءة، لذلك نجحت سيناريوهات (نجيب محفوظ) نجاحا منقطع النظير، فالرجل (كالدويل) قال سمها تجربة، مبتعدا عن صورة الموت الذي كان يراه الفنان في شبابه، فالموت الذي تحدث عنه (ستيفن ديدالوس) بصوت (جويس) كانت حكاية أخرى لم تكشفها الكتب العربية، لأنها اعتمدت ترجمة رديئة سريعة خسرت المعنى وربحت التجارة، كنا نحس بأننا سقطنا بين أيدي المترجمين، وكان علينا أن نفك أسرنا بالتعلم، فالمثقف هو من يفرض الفكرة ويدافع عنها بموضوعية حاجة الإنسانية إليها جمعاء، ويثبت وجودها بين كم الأفكار الإنسانية الهائلة، المدونة عبر تاريخ البشرية جمعاء إذ تراكمت الأفكار واحتدمت النزاعات حول المصالح، لأنها وليدة رؤية عميقة مستنتجة تعبر عن وجود إنسان ابتكر وطور من جيل إلى جيل أفكاره وأحلامه، وقد تواصل العطاء بالعطاء عندما تطورت الفكرة بالفكرة وتواصلت، وصقلتها التجارب الإنسانية، (سبق للكنيسة الكاثوليكية أن ارتكبت خطأ جسيماً بحق غاليلو عندما وضعت قانونا علميا أعلنت فيه إن الشمس تدور حول الأرض- ستيفن هوكنغ[3])، ومضت الأيام بالأيام تسألني ماذا ستكتب عن صديقك الحميم (عباس الأموي)، وكل يوم بألف تذكر، وأنا أسألك: كنت تحب القصة يا بن خالتي، ودائما تحدثني عن قصص لا تنجز، وتدفعني لأكتب قصصا تنجز، فكان الفرق بين قصصي وقصصك بان لا أجد وقتا لقراءتها وأنت لا تجد وقتا لكتابتها، الموت بين السطور، وبين الأيام، وما من يوم تنشر رائحة الموت فيه إلا لتلك الجثث التي تناثرت في أكثر الشوارع نتانة. فـ(لكل شكل من أشكال المادة جسيم يشابهه مضادا له، وعند تصادم جسيم مع ضده يفني بعضهما بعضا، ويخلفا طاقة). كان ذلك اليوم الذي مات فيه صديق طفولتي، غائما الى حدّ اللعنة، نقله شقيقه (احمد) إلى مشفى المدينة العام، كأنه يختار بعناية فائقة المقطع الأخير من سيرة حياته غير الحافلة بالسعادة، وهو غارق في نزيف لم ينقطع بعد، إذ بقي يوصي العم ببنتيه الحلوتين.

‏الجمعة‏، 30‏ تشرين الثاني‏، 2007
[1] مخرج فليم العراب
[2] ص26 ديوان حميد سعيد
[3] موجز تاريخ الزمن ص180

Tuesday, August 14, 2007

Wednesday, June 27, 2007

الرماد إلى المجد الزائف

الرماد إلى المجد الزائف
محمد الأحمد

الآن: المدينة هذا اليوم ما بين الظلام، يد الظلام تمسك بها بيد من حديد، فتغرقها في السيل العرم من الفوضى، المدينة تبوح بوجعها، حيث حاصروها تجار الدم بالأوغاد، والحشاشين..
قطعوا عن طرقها الطرق، وعن سمائها السماء؛ الصوت يأتي منها يشبه نشيج محموم، الناس تقول من هناك، بان الناس قد غابت عن هناك، الناس كلها مستغيثة:
- قد مزقوا ثوبها للمرة الألف، وتركوها بلا شبكة للموبايل، أو هاتف ارضي إذ عزلوها عن الشمس، منعوا فيها الصحف، والانترنيت، والرجولة، والخضار، ورائحة الأمل: اتصلتُ بمن بقي هناك، اتصلت بمن علق هناك.. اتصلت بآمالي الكبار وبحدسي تواصلت الأخبار، بالأخبار..
يقولون لي: بان ما بين دمار ودمار؛ دمار أفظع من الدمار، وان ما بين رجل وآخر موت حاضر، وان ما بين موت وموت جيف تنتشر ما بين الجثث وأصحابها، والموت صار الحاضر بين الأحياء، ما من موت يتخلص من الجيف، والجيف تحاصرها الفكرة، لأجل ان تبوح بالفطيسة بدلا من قداحها، ولكنه اليوم نفسه الذي تخظلت مسرة الخضرة الطازجة بالبارود، بعقوبُ يا قمراً كنت على ديالى، وفرسا عصية اللجام على خراسان، بعقوبُ يا آسرةُ التائبين عن تحريف التاريخ، ومفتاح الأجاص والزعرور إلى مواسم العطاء.. هل بعقوبُ أغنية المارد الذي أعطى وشاحه إلى المشمش والآلو بالو...
فما ارخص الإنسان عندما يُستخدم جهله، وما أبشع سلاح الجهل، الذي يعد فتاكاً كأسلحة الدمار الشامل، يقفش المرء من عقاله، ويجره إلى التهلكة، يجرّ العشيرة من مكانها ويجبرها ان تستدرج ذاتها بذاتها إلى الهاوية، فكم من جهل دمر، وكم من دمار أوقعه الجهل، والعدو يعرف بان الجهل سيد الأسلحة، ويدرك جيدا ماذا يتقن، فكك التاريخ وعاد به الى وراء، وفكك الفهم وعاد به إلى أمام، وما بين أمام ووراء سقط الدمار، وسقط الإنسان جاهلا في الهاوية، وبقي المشهد يتكرر..
بعقوبُ يا سوءة طريق قصر شيرين، ويا غبش العصاري عند حافات المصائر، وعصرية الشاي الحار.. ألا تسامحين من مضى إلى الشرق، وعاد عازما على الإذلال، الست أنت يا بعقوبُ المسار إلى المسار، وأنت الاتجاه الى الاتجاه، وأنت من رأى الأقواس الهاونية تذبح مدارس الأطفال، وأوراق التهديد، تزيل المهابة، فما من بقية لأسئلة، ولا بقية من صمت..
يا سرُّ الإسرار، كيف أصبحت اليوم؛ برتقالٌ يسير كالدم العصي على التخثر، كيف أضحيت عصية النسيان، وفيك ساحة البرتقالة التي يعدمون فيها القلب الذي يضحك في المساحة، ويهزا من المسافة، ويعيدون فيك التاريخ بالسيف والنطع، ويعدمون بالمسدس؛ احدهم سال الأطفال: كيف تريدوننا ان نميت هذا المرتد بالسيف أم بالمسدس، واختاروا الاثنين معا...
بعقوبُ مسار الله في أسبوعه الكامل، حيث الصلاة تقام بألف مغدور، والفتاة باغتصاب متسلسل، من قاضي القضاة حتى حرس الحراس، قبيل حفلة الإعدام، والتعذيب، والوشاية..
بعقوبُ المسلة والخان والمنجرة، بعقوبُ بهرزٌ، وام النوى، والعنافصة، فما كانت خطيئة العراق ان يكون عراقيا، فالأب الجائع باعوه بألف مئة ومائة إلف دولار، والظل المتخفي تحت سماحته بالحق الذي لا يحق إلا عند الذين يردونه لهم، وجثته بعد حين بيعت بألف مئة تومان..
بعقوبُ من فيك له كل هذه الأصابع، المليونية، التعددية، الديمقراطية حيث تقتل القتيل والقاتل، والتقتيل ديدن لا يفرق بين متوال ومتواز أو متعامد، التقتيل بالعراقي لأنه العراقي، والتقتيل بالهواء لانه يهب بالهواء، ويعيث المجد بمجده كلما يلتقي القتيل بهوية القاتل، ويلتقي القاتل بوجه القتلة، ويبقى شاهد قتل متواصل بالقتل، حيث المروحة ذاتها علق فيها ابن الأخت خاله، وابن العمة قرينة، وجلبت بكليهما هواءً اسمه أن لم تقتلني سوف أقتلك، وان تتركني فأنني لن أتركك، وان أخلصت لي فاني سوف اخلص بخلاصي منك..
بعقوبُ دم أضاع شكله، ورائحته، وفقد عذريته إذ أصبح غير مثير، وأصبح يسير إلى النهر ليغير لونه بلون النحاس، والتاريخ ما عاد تاريخا يتحمل حضور الكومبيوتر، ولا حضور بهجة النص الذي لا معنى له.. بعقوبُ حزن المدينة الأكبر، ومحاصصةُ الوضع الإقليمي، فالوضع الإقليمي يرى بأننا لسنا بشر، ودمنا ليس حقيقيا، وعقلنا ليس عقلا، وأننا لسنا مستحقين الثروة التي تحت أقدامنا، ولا التاريخ الذي صار تاريخنا، فهم على الرغم من كل شيء لن يكون إلا تاريخنا، والعقل لم يكن إلا عقلنا
سحر على البيوت، والأزقة التي كانت تفوح الحمائم برائحة شبعها، وعصافيرها برائحة الأغنيات، والصبياتُ الناهداتُ بعقوبُ؛ القداحُ الفواحُ بعقوبُ، قافلة الندى، ونسيم طيب، واليسارُ في الفكر بعقوبُ، أو لأقل بوضوح؛ الفكرة المتسلسلة في القصص التي كتبتها ونشرتها لي مدن الابتلاع والسكوت.. بعقوبُ خط الحريق ومسار النار من البساتين الى البساتين، وبعقوبُ الضحكة الصافية للنبع الذي تغنيه فيروز، بعقوبُ كم أنا متألم؛ إذ كل حرف فيك قصة، وكل حرف منك مدينة قلب، وكل قلب منك قمر وشجيرة تكي او نبق او تين او زيتون او بستان، تلم العصافير كل مغرب، أفق بعيد إلى المساحات.. كيف حويت المدن وخرائطها، وطوائفها، بهذا الزحام، بعقوبُ الإعلان البارد في زمن الهجير، وزمن العطش ما بين نهرين متجاورين.. كنا نسبح على شواطئ النهر البعقوبي، وكانت تأتي إلينا التفاحات والبرتقالات، والرمانات، والرقيات......الخ، واليوم صارت تأتي إلينا بجثث المغدورين.. بعقوبُ تفاحة طائفة بين الروح والأحقاد؛ ما كان يحدث هذا لأول امرأة أراها في أول الأحلام، تفاحة طائفة بين الروح والمسارات، ما كان أن أراك بكل هذه التلال من الإزبال؛ بعقوبُ الانفعال والإنثيال المبكي، البكاء يتواصل بالبكاءـ لدم وجثة؛ بعقوبُ أي بكاء مهراق هذا الذي يخرج دما وليس دمعا؛ بعقوبُ برتقال حزين تيسر له ان يمشي مطرق الرأس، كسير، إلى المطلق، تسير حافية عبر الخندق المؤدي إلى بساتين اليباب، بعقوبُ أبواب الذكريات والفشافيش والتكة، قداحة النهر الذي يمتد سباحة إلى المصب الأخير.. المسيح سار على الماء، وكذلك البرتقال، وتبعته الجثث، ولحقته النسوة الباحثات عن مسلة الحياة..
أين ابني: قال لها.. ربما تجدين رأسه بين الرؤوس في كيس تركوه في نهاية الزقاق، أضاف طفل بان الرؤوس تركت نظيفة، ومغسولة من الدم ليتسنى لأهلهم التعرف، أو بين دهاليز المنهولات التي سددت منافذها لكثرة ما لم تحتمل من الجثث، وتسير بعقوبُ، تسال عن ابنها: ضائع أو مختطف، قتيل أو مغدور؛ بائس عمره كله، أبعقوبُ خيمة صبر اقتلعتها عاصفة الجوار؟؛ بعقوبُ ميسرة الدخول للداخلين، ولكنها غير ميسرة الخروج..
بعقوبُ كنت خيمة الهاربين من حرب الخليج الأولى، وفي الثانية كذلك، ولكنهم اليوم هم من يستبيحك، وهم من يوشي ببرتقالك، الآن: بعقوبُ جدرانها، دولارات، وتومانات...
بعقوبُ مدينة خضراء، لورقها الخضر سميت، وخضارها مياه آسنة تسوّد كل حين.. بعقوبُ الرماد إلى المجد الزائف، وبعقوبُ البعيد اليوم القريب أبدا، ماذا يجري فيك اخبريني فكم أنا مشتاق إليك، والى شفاف دروبك الفارعة، والى شغاف نهرك العظيم..

بغداد
‏الأربعاء‏، 27‏ حزيران‏، 2007

Posted by Picasa

Sunday, May 20, 2007

قصة شاي حار


شاي حار
قصة قصيرة
محمد الأحمد

قلقت بما فيه الكفاية، وقلت محاولاً لأزاحة هذا القلق السقيم :- إنني مفلس في هذه القافلة وحظي فيها أمين، حيث لا املك شروى نقير، ولم أكن في يوم ما طبالا قد أزعجت أحدا، بطبلي، وزمري، أو رفيقاً بلشفياً ساهمتُ بوشايتي، وتقريري في اعتقال أحد.. أو ما شابه، المهم ليس القلق كان باديا على ملامحي، فحسب. وإنما تبين جلياً من خلال الخطاب الإعلامي الواضح الارتباك، قلت مع نفسي مادمت أحدثك يا نفس فأنت حرة مطمئنة إذن. رغبت بقدح من الشاي.. في هذا الحر المقيت، ولكن الكهرباء الوطنية، من المحتمل أن تتأخر، ودونها لا أستطيع أن اعمل على (الهيتر) الصغير الموجود في الغرفة لبعض الرغبات البرجوازية المفاجأة (القهوة، والشاي بالحليب) وما علي إلا أن انزل إلى المطبخ، واعده بنفسي، مادامت شقيقتيّ قد استغرقتا في نوم القيلولة، فالكهرباء لعنة قد جعلت منا نعيش منقسمين في حياتين مختلفتين عن بعضيهما، بوجود الكهرباء الوطنية، واحدة، و الأخرى بوجود كهرباء المحلة (الديزل).. ذلك أمر لن يكون صعب الفهم حتى يحتاج إلى إيضاح في القصد. فالعراق (عراقنا) يا نور العين، وصرنا نحفظ الكلائش الإعلامية من كثرة عرضها في الشاشة اللعينة، أو عبر إذاعتها من كافة البرامج العاملة..
نزلتُ الدرج متهادياً ببطيء عجوز تجاوز السبعين، رغم أني قد وصلت مطلع الثانية، و الأربعين.. بحرمان مستمر. سمعت أمي تطلب من شقيقي أن يقدم لها إيضاحاً.. كونه تأخر ليلة أمس في وصوله إلى البيت.. إلا أن الكلام انقطعت، وتحول همساً، و إيماءات.. لأنها لا تريدني أن اعرف بالأمر الذي يشغلها، وبالتالي من الممكن أن يكون تدخلي سلبيا في أمر قد رتبته وفق ما أرادت هي، و أنهم لا يأتمنوني على سرّ خشية تضمينه عبر القصص التي اكتبها.. وحقيقة الأمر اني غير قادر على التحمل، أنني اكتب، وانصرف، واغلب الأحيان، أنسى تلك الكتابة، حال إنجازها على الورق، أراها تسير لوحدها، و كأنها تكتسي لحما، وتسير إلى النسيان، و أكون قلقا جدا في حال عدم كتابة تلك الأشياء، فالكتابة تستهويني منذ الطفولة، كأني أعيش بها تعويضا عما حرمت منه، أود هنا اسرق وقتا كي أكتب عن تفصيل حدث لي وتسبب في أن أكون كاتباً، والحقيقة فيما بيني وبين نفسي اطمح أن أكون كاتباً حقيقياً يشار إليه بالبنان، كشاهد لعصره.. تناولت القدح الفارغ، لأملاه بالشاي، ورحت اخرج منديلي من جيبي لآخذ (قوري) الشاي من على الطباخ الذي يكون على الدوام في ساعة العصر محملا بالشاي الساخن.. أردت أن اذهب بالشاي دون أن ادري باني لم أضع فيه سكرا، ولكن والدتي كعادتها، نبهتني إلى ذلك… طلب منا مدرس مادة العربي إن نكتب نختار أحد الموضوعين التاليين، اكتب قصة سمعتها، أو قرأتها، والثاني: اذكر بيتين من الشعر واشرحهما، في عشرين سطر، فالموضوع الأول يستهويني، والثاني استفزني وبقي يعيث بي، أن تكتب ملخصا لقصة سمعتها أو قرأتها، وعزمت على أن اكتب له قصة كقصة (بذلة الأسير) التي أخذتني وشدتني إلى عالم العبقري (نجيب محفوظ).. ساعتها رحت اكتب قصة (ولد) في عمري آنذاك كان يعاني من وطأة عراك والديه في ليلة مليئة بالأسى، وأمام (بنت) حلوة كانت فارسةُ أحلامه.. لم انتبه إلا إلى والدي يطلب من شقيقي (مهند) ليعيد عليه ما جرى لـ(طارق) بن الحافية.. ذهني منشغل في استرجاع تلك التفاصيل اللذيذة، ورحت انفخ على الشاي محاولا تبريده، دون أن أتوقف. وقد استوقفني الحديث الذي أحاول أن أتملص منه عندما يبدي به والدي، الذي يقرني بلجوجيته المتعبة.. قال بان زوجته أودعت السجن وأختها، ورجل آخر.. انهم متهمون بقتل (طارق) الحمال.. وبقي مهند يتحدث واصفا الرجل الذي اخبرهم عنه ابنه الذي تجاوز الثانية عشرة، وانه شاهد (فلانة)، وأختها (فلانة)، ومعهما رجل غريب لا يعرفه.. رآهم يضربون بلا رأفة في أبيه، والذي تفجر الدم من رأسه كنافورة ماء، و نفض جسده كما الدجاجة المذبوحة و مات…
تركت القصة التي استوقفتني، بكل ما فيها من تشويق، ومضيت اصعد الدرج إلى غرفتي. قلت سأبدأ الرواية من هذه الصورة التي مات فيها (طارق بن الحافية)، واعتقد بان اسمه يرن في الأذن، ويمكن أن يكون له شأنا ما في سالف الأيام، لاني سأعطيه ما لم يعطه أحد لبطل روايته.. سأصف حالة مواطن عراقي تولد 1948م.. عاش ومات ولم يعرف وجه أخاه كما تقول شقيقتي (وئام) عن شقيقها (شهاب) المفقود.. وتلك قصة أخرى، أو تفرع آخر يصب في نهاية نفس الموضوع، فأي شخص عراقي الجنسية، ولو كان يعيش في الصين (لو ذكر في أي رواية)، لانطبقت عليه مواصفات الشخصية الروائية الفذة، و يكون متفوقا في بطولته الروائية الفريدة، وصار أنموذجا دراسياً تقدي به الجامعات، وتعتمده في مناهجها خير مثال للشخصية التي تحوي على كل النقائض النفسية، والإبداعية المتمردة. فقد أصبح العراقي مبدعا في كل المجالات حتى في كيفية تحويل العدم الكيميائي إلى وجود وكتلة فيزياوية.. اذكر أحد الشعراء المغمورين.. عندما وصل إلى الأردن، فتح حسابا في أحد مصارف (عمان)، القريب من الساحة الهاشمية، وعمم رقم الحساب.. بواسطة الهاتف من أول استقر فيه، وراح يتصل بالأصدقاء الذين في الشتات.. وراحت اسطوانة الاستغاثة تدور:- يا ناس يا عالم.. يا مخاليق.. انجدوا (المنجرة)، (أم النوى)، (العنافصة)، (أم الدجاج)، (التحرير).. طفحت عليهم الحمم، فاستروا أهاليكم، و ساندوهم:- (يا معودين.. خطية.. راح يموتون.. الحصار تره بس عليهم)… وراح المبلغ الصغير يلحق الكبير.. وتضخم بالعملة الخضراء، وعاد به إلى (بعقوبة) أول عمل قام به عند الوصول:- اشترى سيارة (مارسيدس)، وبيتاً فارهاً!.
تجار قضية، وبضاعتهم مربحة. بقيت أفكر من أين ابدأ القسم الأول من الحكاية، وكل الطرق تؤدي إلى روما، قلت، لأبدأ من ليلة أمس، من النقطة التي تفحصت فيها كمية المخزون من مادة النفط (الكيروسين). وقبل أن اشغل الحاسبة، سأفتح الراديو على إذاعة (لندن) التي تتظاهر بأنها لا تقل عن أية إذاعة محايدة في إطلاق الأخبار، ورغم حبي لها عرفتها، وحفظت أساليبها عن ظهر قلب. (وجهان فيها باطن متستر/ للأجنبي وظاهر متكشف) شغلتُ الحاسبة بعد نسيت إنني ابحث عن إذاعة محددة، وتركت المذياع يطلق علي إعلانا عن (شاي مبروك) من إذاعة الشباب. أريد أن أتعلق بقشة وسط هذه اللجج العنيفة من القلق.. المناورة ستكون دامية، وعاصفة، كلما انقطعت الكهرباء، قلت مع نفسي هذا الانقطاع فقط على المحافظات، سأكتب عن ذلك بدقة، حالما ابدأ بالكتابة.. النص في رأسي يسرد بلا توقف، ولكنه لم يتنزل على الورق، النص يسير، لانه متراكم منذ زمن طويل، احسه استحق الآن. بقيت أحاول استلال الخيط الأول من الرواية التي سأشرع في تدوينها، فكل ما حولي، يصلح لها، أريد أن احملها عصرها، أتمنى لها تكون في الحاسبات، و الفيزياء، والروحانيات، و الأساطير، وبقية العلوم، أريدها أن تكون شاملة عن كل ما هو عراقي.. لقد صارت اكبر مفردة في حياتي هذه الـ (العراقي).. البارحة عندما شاهدت فوز منتخبنا الوطني مع منتخب رأيتُ لافتة يرفعها الجمهور(ارفع رأسك أنت عراقي).
‏07‏/05‏/2007

قصة جثة قد تأجل موتها



جثةٌ قد تأجل موتها


قصة قصيرة
محمد الأحمد


حتى وان قارب بلوغ عامه الخمسين، ألانه بقي يعمل بجد كثور الساقية، يعمل عتالاً هنا، بناءاً هناك، أو في الطلاء، وبالكاد يستطيع حمل لقمة بشرف إلى بناته الثلاث القاصرات، والزوجة الصالحة التي رضيت بأقل ما يمكن للإنسان أن يرضاه، وهي برغم مشقة دنياها الضيقة تتملاه في سريرها طويلا، كل ليلة ، مقتنعة برزقها، راضية في كنفه، تتأمله كحارسة ساهرة، مفتول العضل على الرغم من الشحوب، وجهه باسماً في وجهها على الرغم من الحزن الكثيف، فقد بقي ظامئاً وليل القلب مخيماً على طالعه إلى ابد الآبدين، محطوباً في إنسية المرحلة، جراحه بليغة، وثمة آلاف الشظايا قد بقيت عالقة في متون جسده إلى درجة انه من الألم، لم يعد يحسن تذوق الراحة، ولم يعد في ذهنه قاموسا يفسر الأشياء، بمعانيها.. ولكل موضع الم من جسده قصة يتمنى أن يحكيها، ولكن حكايات الآخرين أقسى من حكايته، اغلب اللذين أحبهم، وأحبوه قد إضاعتهم القصص، حيث صارت قصته تالفة، قياسا لما يسمع من قصص، فما من أحد يجلس إليه، ويحكيه الهم الذي أثقل عليه النفس، إلا ويجد عنده قلبه المثخن الجراح الذي تضطرب إيقاع دقاته من تعسف المرحلة التي تلمه، خوف معشش في كل الخفايا التي تحيط به، فيقال بأنه قد عاش قصة حب عاصفة خلخلت خطوته وجعلته يتردد آلاف المرات، قبل أن يتحدث إلى امرأة، يمر على أماكنهن كأعمى، ويسير بينهن بخطوات الملائكة كي لا ينتبهن له، كي لا يوقظن فيه مخاوف أخرى من تجارب، ربما ستكون أقسى، إذ تخلفت في قراره مشقات تركت سنابكها العنجهية مسافات أميال بما لا يقدر خيط دامع على ردمها، أو إخفائها بعد أن قلص حزنه الكثيف الابتسامة إلى الحد الأدنى، ودائما محلقا في فضاء عزلته، كريما، سخيا مع خياله، ويخاف أن يتكرر دخوله صندوق السيارة، (مارقون يركنون سياراتهم قرب السابلة، ويخطفونهم مقابل فدية كبيرة من المال، وإلا القتل المريع) فذلك قد يعني موتا محققا آخرا، غير الذي يراه في الشارع، وغير الذي يسمع به، فصندوق السيارة يعني أخذه إلى جهة مجهولة وسيتم تنفيذ الإعدام به، عاجلا أو آجلا، ذلك بقي كابوسا يراوده، بدلا من حلمه بقصة حب يعزز بها حياته، فقد تنازل عن قصص الحب المتخيلة، والتي كان يتمنى أن تصادفه يوما ما، من بعد أن تزوج وأنجب، وكان مؤمنا بان قصة حب عنيفة ستفاجئه يوما ما، لأنه بقي مؤمنا بان قلبه النائم خلف الأبعاد، لا بد أن يتيقظ، ولا يريد أن يبقى معزولا في زحام العمل والموت، ويغرق إعياء بين مخازن التجار الذين لا يشفقون عليه كثيرا، ولم يجزلوا له العطاء، فترك وجهه خريطة كلمات أضاعتها المعاني، وأوهام تقلصت بالأحلام فهو منذ يومها بقي لا يقترب من اللحم الذي يعرضه القصابون، لأنه رأى الجثث التي نثرها الانفجار، وبيديه عبأ كيساً كبيراً مما جمعه من اللحم البشري، وهو لا يدري لمن هذا الكبد، المخلوط بالمخ، أو هذه اليد المفرومة بالحديد، أو تلك الساق المهروسة بالبارود، شاهد بأم عينه بان اللحم البشري قد كان اقل احمرارا من لحم البقرة الذبيحة، ويومها انقطع عن سماع هسيس الشجر، والعصفور... انقطع عن المحيط وصار يفهم من حركة الشفتين ما يقولونه له، انقطع إلى أقصى الصمت في لجة الضوضاء، والتأتأة العظيمة، بقي يقول في نفسه (أصبحتُ كبيتهوفن لا اسمع سوى سمفونيات نفسي)، بقي يعمل بجد في وقت عصيب، ولم يكن يتنفس بعمله وهو يحمل بضائع الناس إلى سيارة، أو يفرغها.. حروفه عجلى بالتنفس، كونه يعرف بان الأنفاس عليه بحساب، وان تنفس الآن، فان اللحظات القادمة ستكون أصعب، بقي يكرر القول مع نفسه: (نحن جيل الخيبة!)، يطاردنا الموت الماشي بين الناس، ويركض خلفنا.. هذا البغيض الذي له رائحة زنخة، تفوح من الأمكنة، كرائحة لن تفارق مسامات الأنف، رائحة حاضرة بقوة لتثير الأسئلة (ما الذنب؟).. وتحدث ضجة بالغة على الرغم من خيوط الجريمة، المتقنة، برغم من برودة دم المنفذ الذي يختبأ وراء الكواليس، وينفذها بإتقان، و(باردا إلى ابعد حد)... أيدي بصماتها واضحة، خلف قفازات تقصد المحو، تقصد الناس البريئة، تمتد تلك الأيدي لتمس الجيوب، وتصادرها.. أفعالا قذرة... تصنعُ الموت المزخرف بالبشاعة.. موت يتواصل بالأسئلة، والأسئلة تتواصل ما بعد الموت، وتتفاقم كما الرائحة، فمن هذا القتيل؟، و(من ذاك) وكيف اخترقت كل ذلك الكم الكثيف من الطلاقات جثته؟ الصمت يسكن هذه الصورة التي لن تقول سوى أن المجرم يخاف الجثة أن تلاحقه، وهي كذلك سوف تلاحقه أبدا، وبقي يرى جثثاً تزاحم الطريق، تضيق على المارة خطواتهم، وتبتلع المسافات، جثث تبتكر للموت شكلا جديدا لتقتل في الحياة حياتها.. حماقة جهل مرّ.. كأنها قوالب سخية الخيال تحتجز المنطق، فكلما تكلم مع احد عرفه يمتهن الكلام العابر، ويتشدق بكلمات ليست متواصلة برصيد خلقي، وذاته يفعل عكس ما يقول، فالأنفاس اغلبها كاذبة، والبحر الذي يسمع عنه يفيض كالأحداق بات كاذبا، وما من قطرة ماء منسية، فالبحر هو البحر والكذب هو الكذب، وما من ميت يعود إلى الحياة من الكذب، وما من حياة لا تبتلع الأحياء.. كأن المنطق هو ما يفتقد، كأن المنطق ميدان داج أشبه بدماغ هرستهُ سيارة حمقاء لرجل كان سائقها قد أتى إلى المكان مهموماً، حالماً، ساهماً تجرهُ خطوات فكره أكثر كانت أكثر فعلاً من خطوات فعله.. يضحك كما المجنون، فقد أتى ذلك الزمن المكان بسيارة عدت للانفجار، وبخطوة اعدّت للانهيار، وبزمان تائه، رديء، لتنفجر عند حاجز للشرطة، والرجل عند حاجز للرجولة، وعند احتدام الوقت، لم تصب سوى الناس العابرة.. بقي يتألم: (الناس أصيبت بمقتل).. لقد وصل النفوذ الدموي، إلى كل مفاصل الحياة، وجزيئات الهواء.. إلى ما لا يصدق، فالأشلاء المتناثرة إلى السماء، هبطت إلى الأرض، وبقيت السماء تمطر دماً وتساقطت منها أصابعا متفرقة، أعضاءا بشرية، ولحما محروق، برائحة البارود والشواء.. بقي يخاف، وبسر يتنفس، من بعد أن رأى أيدي كثيرة، عيون مقلوعة، رؤوس معبأة بالرعب، والفزع بلا أجساد، أجساد كثيرة غير متكاملة قد ضاعت بقاياها.. بقيت مبخرة وتطايرت متحولة إلى بخار، تسامت إلى دمار بالغ، والأحوال الرديئة تحولت إلى حفرة في الأرض لا تتسع قبرا واحد لهذه الأجساد.. صفير في الأذن، يلاحقها كعاصفة: ضوضاء كانت عالية، وكان الضوء ساطعا، وكان العصف رهيبا، وكان الدنيا ضيقة إلى الحد الذي لا تتسع للبكاء.. يتساءل (ما فعلنا يا رب عفوك)، ذاكرته مليئة بتلك الصورة البشعة التي اختزنتها الطفولة بدقة وتكاد تشخص كل لحظة، بقي يتجول طائفا في الزمن ينفصل كما ظله أو يستبقهُ إلى مراحل اكبر اتساعاً من الخطوات، كل مرة يبقي سؤالاً إلى آخر المرحلة ؛ (كيف مات الشوق إليك يا صديقتي الرائعة.. يا ذات العينين المدهشتين).. أيامها كان يحاول طمس أسئلتها بأسئلة اكبر، كأنها عصفورة مضيئة تطير في ليل ظلامها دامس، تضحك متناسية، وتجره خطواتها إلى الخيلاء فيطبع على فمها قبلته الذكية.. يحول هدوئها إلى نار من الغريزة، ليدمن عليها.. طعم القبلة تملأ روحه.. القبلة تدور.. تحيله من مبتدأ إلى خبر، والموسيقى تشتعل، من بداية إلى نهاية. يقول؛ (أتسرنم، أتسلطن، اطفوا بالخيال، احلق عاليا في فضاء خديّها المحمرين كتفاح ناضج)،.. تسبل عيناها، وتمدُّ شفتيها الكرزيتين رغبة أدركها جيداً، يسأل نفسه: (هل ينفع السؤال؟)، تذوب خلاياه المتوقدة، عاطفته ليست عمياء إلى ذلك الحدّ، ولكن الحلم يقتله أيضا، يرى العالم كله بشفتيها طعم يجري إلى حيث تبتدئ حريته، يهدى نفسه، يحاول أن ينسحب بعقل بدلاً من انفجار قد يحدث، فما زال يرى وجع اللذة على أصابعه، ويسري كلما بقيت معه في الحلم، الحلم تعويضا عن تكاثف الخيبات المتواصلة، حدّية هذه اللحظات.. حدية هذه الطبيعة، وسيد من يحتكم على قوانينها.. باتت قتيلة، من بعد تعذيب كثيف، نالوا منها شر نيل، (ولكن ذراعاي طوقها، أو طوقي ذراعاها).. تدور عيناي في لمعتها الفرحة، العصافير كانت تزقزق سيمفونيتها الشعرية، والنسيم الطيب بدأ يملا الرئتين.. (أحسّ باني قد بدأت أحقق خطوة نحو السعادة القصوى التي كنت ارسمها، واحدد ماهيتها، أتساءل من خلال الوقت الضيق والأنفاس المتسرعة لمَِ فكري مشوش فيمنعني من تميز الأشياء.. ليلُ القلب يمتلأ به جسدي المتفاعل مع درجة حرارة الجسد الذي يلثمني، عيناي تحاذر أن تستسلم لحلم كان الصحو فيه اقل، بمعرفة أقل.. كان صمتاً أقل بمحاورة أقل).. فما ذنب هذه الأجزاء بان لا تجتمع مع بعضها في قبر واحد، كبقية خلق الله، جثث أضاعت أجزائها، أو ضاعت عن بعضها.. (اسحب نفسي تدريجياً من الحلم، تفهم هي الأخرى كل شيء، وتظل قربي صامته تؤلمني ابتسامتها الضيقة).. ليل القلب الظامئ المتعب بمشاوير الفكر… خذلته الترهات.. تفلت أربطة الذاكرة، يبقى السائل الثقيل متناثراً على الإسفلت الذي يحوي الكثير من الذكرى، والحزن، والعاطفة.. كل شيء محض تذكر في هذا الرأس الصغير الذي يحوي على أكثر ما يجب.. تناثر وتيبس.. (أسائل نفسي: إن كان هناك في مزيج السائل الثقيل بعضاً من الفرح، وقد يكون الفرح المادي الأول الذي يمكنني تحسسه).. الميت ينزل من سيارته الفارهة، ويلتفت إلي بقوة وكأني قد قطعت عليه حبل خلاصه، وتتفلت بيسر منه دقائقه، (كأنها تشغلني بسؤال، وأنا اهرب بعيداً عن سؤالها بسؤال كي أنقذ ما يمكن إنقاذه.. صوتها يؤجج السر المكنون المرّ، فأهزّ أبراجها العالية بهدير من كلمات خائبة: - أقول لا تجعليه يرضيك بهذه الصورة فأنت الأجمل والغاية النهائية، فلا تكوني بين عينيه الساذجة، الواضحة، السهلة؛ فيقضها ويفجر أسرارها ساعة يريد.. حاولي أن تكوني الجوهرة الغامضة ليتسنى تحقيق ما تشائين).. ضوء جميل.. يزدره إلى عمقه المكنون الداجي العميق.. المعرفة قوة.. قوة ليل القلب بما يمتلك من معرفة، (كانت قد بقيت في الشارع، لقتيل عائد إلى البيت، وأضاعت الطلقات مسيره، بعد أربع أو خمس منها، بقي يشخر كالخروف الذبيح.. تمددت لوحدها مخيفة كل المارة، إلى جانبها خيط من الدم، وقد سار لوحده إلى الساقية، واتحد الدم بالماء الآسن، ولكن الشخير ارتفع عاليا.. ثم حضر المشهد من الجهة الأخرى رجلا آخرا، صوره بالموبايل، وبعد ذلك بصق عليه، أي جثة مثيرة هذه؟، وعاد الأول واضعا فوهة المسدس في فم القتيل، وأطلق من جديد رصاصة في فم الجثة وتفجر رأسها، وتناثر بعض الدم على ثياب الأول وبقي (الموبايل) يصور، قد افترش وجه القاتل، ولكن القتيل انتفض بقوة اكبر، ومرة أخرى، في كل مرة يرشق الدم وجه القاتل، والقاتل يبصق فوق القتيل..)، كان من يرى يروي لي بلا خوف بقي يقول؛ بان القاتل قد اخرج شيئا من جيبه ورماه قرب الجثة، لم تكن رسالة، ولم تكن هوية، ولم تكن سوى حاجز يربح به الوقت، ويضيع الدليل، غاية منه تغير مسار الأسئلة، ولكن الأسئلة لم يكن لها سوى اتجاه واحد سوف لن تحيد عنه، وان سكتت الناس يوما، فإنها لن تسكت إلى الأبد، و سوف تقول ما لم تقله في حينه بان القصة حقيقية، وقد جرت وروت نفسها، (فمن بعيد كانت الشرطة تراقب الحدث، وربما كانت تخاف الاقتراب، أو لا تخاف.. تعرف أو لا تعرف، تعرف القتيل والقاتل فلن تخافهما مستقبلا، بقيت في لحظة محايدة مضطرة الحياد.. (كانت الكلمة صورة تطوف فوق المعنى لتحرره من الاندلاع، كصدمة ستوقع المخاوف)، ولكن السوق بقي ينتظر الناس بلا سؤال، فمذُ كنت صغيراُ.. كنتُ أحصى عدد النجوم فوق دارنا، وبعد أن كبرت صرتُ أحصي النجوم فوق الحي كله، فبعد الخمسين اروي للناس قصص الدم والجثث الخائبة التي لا تدفن مع بقية أعضائها، وأقول في تعب بان أبي كان يمنعني من روي ذلك.. ينتصب أمامي بفخذيه الهائلين مشكلا، مثلث متساوي الساقين مع الأرض. أقول هذا مثلث.. فيضربني، ويلعن حظه؛ ظننا منه باني أشير إلى أسفل بطنه، فاضحا عورته، والناس تتبادل القول: (كل من خرج من بيته مفقود، وكل من عاد إليه مولود)

بعقوبة
‏16‏/04‏/2007

Friday, May 4, 2007

خبر عن كتاب جديد 2007
صدرت مؤخرا للقاص (محمد الأحمد) مجموعة قصص جديدة عن دار الشؤون الثقافية العامة بغداد 2007م بعنوان (زمن ما كان لي)، وقد حوي الكتاب الجديد على أكثر من عشرين قصة قصيرة، و بدت اغلبها مترابطة مع بعضها بزمن روائي واحد، ومكتوبة بضمير المتكلم الحاضر، لتؤرخ مرحلة من مراحل العراق المهمة، وقد امتازت بالجرأة على صعيد التجريب والبوح. ويعد هذا الكتاب السابع في تسلسل منجزه الإبداعي، الذي تضمن روايتين (حركة الحيطان المتراصة)، (ورد الحب.. وداعاً)، وأربعة مجامع قصصية (جمرة قرار ابيض)، (أربع وأربعون متوالية)، (بعد الجمر قبل الرماد)، (مابين الحب والحب)..
5/5/2007

Friday, April 6, 2007